ملاحظة المحرر: تتناول هذه السلسلة المكونة من ثلاثة أجزاء التداعيات السياسية والقانونية والإقليمية لاعتراف إسرائيل بصوماليلاند، واضعة هذا التطور في سياقه التاريخي، وفي إطار الواقع الفيدرالي المعاصر للصومال. وانطلاقًا من سابقة هرر، والأحداث الأخيرة في شمال الصومال، تحلل السلسلة كيفية تداخل محاولات الاعتراف الخارجي، والانقسامات الداخلية، وديناميات الأمن الإقليمي، كما تطرح خيارات سياسات تهدف إلى الحفاظ على الاستقرار، وصون السيادة، والتمسك بالحلول السياسية المشروعة.
1. الملخص التنفيذي
أحدث اعتراف إسرائيل، في 26 ديسمبر/كانون الأول 2025، بما يُسمّى «جمهورية صوماليلاند» صدمة واسعة في الصومال ومنطقة القرن الإفريقي. إذ تحوّل سعي صوماليلاند الأحادي والمجمّد منذ سنوات لنيل الاستقلال فجأة إلى قضية إقليمية ملحّة. وقد نددت الحكومة الفيدرالية الصومالية بالخطوة الإسرائيلية واعتبرتها انتهاكًا للسيادة ووحدة الأراضي، ورفعت النزاع إلى مجلس الأمن الدولي، حيث أعاد معظم الأعضاء التأكيد على وحدة الصومال.
لم تعد الأزمة مسألة داخلية صومالية فحسب، بل باتت تشمل اصطفافات خارجية، وترتيبات أمنية، ومخاطر منافسة بالوكالة في منطقة خليج عدن ذات الأهمية الاستراتيجية.
ويقدّم التاريخ سابقة إرشادية واضحة. ففي عامي 1943–1944، واجه إمبراطور إثيوبيا هيلا سيلاسي ضغوطًا خارجية لإنشاء إقليم ذي حكم ذاتي في هرر لإيواء لاجئين يهود، وهي خطة تضمنت حتى فكرة ضم أجزاء من أرض الصومال البريطاني آنذاك. وقد رفضت إثيوبيا هذا المقترح بشكل قاطع، واعتبرته مساسًا غير مقبول بالسيادة، وسابقة خطيرة، مؤكدة أن أي إقليم لا يمكن التنازل عنه لصالح مصالح خارجية.
حافظ هذا الموقف الإثيوبي على وحدة الدولة، وأرسى مبدأً واضحًا: يجب مقاومة مشاريع الحكم الذاتي المفروضة خارجيًا حفاظًا على التماسك الوطني. واليوم، يمكن للصومال أن يستلهم درس هرر، برفض الاعترافات الأحادية، مع الاستمرار في معالجة القضايا الإنسانية والسياسية من خلال حلول داخلية سيادية.
ويقدّم النموذج الفيدرالي الصومالي مسارًا عمليًا إلى الأمام. فمطالب صوماليلاند بالاستقلال ترتكز منذ زمن على مظالم تاريخية، لكنها تفتقر إلى إجماع داخل الأقاليم التي تدّعي تمثيلها. وبين عامي 2023 و2025، ثارت مجتمعات في الأقاليم الشرقية لصوماليلاند—سول وسناغ وعين—ضد حكم هرجيسا.
في فبراير/شباط 2023، أعلن قادة محليون في مدينة لاسعانود عزمهم العودة إلى كنف الصومال، ما أدى إلى اندلاع اشتباكات عنيفة عقب قصف قوات صوماليلاند للمدينة. وبحلول منتصف عام 2023، انسحب جيش صوماليلاند، ونظّمت الأقاليم المعارضة نفسها في كيان «إس إس سي–خاتمو» (ولاية شمال شرق الصومال).
وفي منتصف عام 2025، اعترفت الحكومة الفيدرالية الصومالية رسميًا بهذه الولاية الجديدة، في تجسيد عملي لبديل دستوري عن الانفصال: إذ يمكن للأقاليم المتضررة أن تنال حكمًا ذاتيًا ضمن النظام الفيدرالي، بدلًا من الانفصال. ويبرز هذا التطور نقطة سياسية أساسية، مفادها أن الفيدرالية الشاملة وتقاسم السلطة قادران على معالجة المظالم المشروعة دون إعادة رسم الحدود.
وعليه، يتعين على السلطات الصومالية والشركاء الدوليين تنسيق استجابة فعالة لصدمة الاعتراف بصوماليلاند. وتقدّم هذه الورقة جملة توصيات عملية للحكومة الفيدرالية الصومالية، وللشركاء الدوليين، وكذلك لقيادة صوماليلاند نفسها.
تركّز التوصيات على الحفاظ على وحدة الصومال، بما يتسق مع الدستور الصومالي ومبادئ الاتحاد الإفريقي، وخفض التصعيد على الأرض، والدفع نحو الحوار والإصلاح. ومن خلال الاستفادة من درس هرر، ومن نجاحات الفيدرالية الصومالية الأخيرة، يمكن للأطراف المعنية تفادي تفكك خطير للدولة الصومالية، وتعزيز الاستقرار عبر وسائل قانونية وتوافقية.
2. السياق التاريخي: سابقة هرر والمعايير الإفريقية
في منتصف القرن العشرين، واجه القادة الأفارقة مقترحات اختبرت سيادتهم وسلامة الحدود الموروثة من الحقبة الاستعمارية. ويُعد «مشروع هرر» لعام 1943 مثالًا بارزًا لا تزال دلالاته حاضرة اليوم.
فخلال الحرب العالمية الثانية، طرحت هيئة دولية فكرة إنشاء كيان شبه مستقل للاجئين اليهود الأوروبيين في إقليم هرر شرقي إثيوبيا، بل واقترحت أن تتنازل بريطانيا عن بربرة وزيلع (في صوماليلاند الحالية) لتأمين منفذ بحري لهذا الكيان.
ورغم تعاطف حكومة الإمبراطور هيلا سيلاسي مع معاناة اللاجئين، فإنها رفضت بشكل قاطع تسليم إقليم هرر. وأكد الرد الإمبراطوري أن التنازل عن إقليم لصالح جماعة واحدة «لا يتوافق بأي حال من الأحوال» مع سيادة إثيوبيا.
وحذّر هيلا سيلاسي من أن مثل هذه الخطوة ستشكّل سابقة خطيرة، وتلحق الضرر بمواطني إثيوبيا واقتصادها، مطالبًا بوضوح «بالتخلي الفوري» عن المشروع. وبتمسكها بموقفها، حافظت إثيوبيا على تماسكها في مرحلة ما بعد الحرب.
وكان الدرس واضحًا: لا يمكن تبرير المساس بالسيادة الأساسية بإغراءات دولية قصيرة الأمد، وأي ترتيب للحكم الذاتي الداخلي يتطلب موافقة الدولة ذات السيادة.
وقد أرست قضية هرر معيارًا جرى لاحقًا تقنينه في الدبلوماسية الإفريقية. ففي عام 1964، تبنت الدول الإفريقية المستقلة حديثًا مبدأ حرمة الحدود الموروثة، وهو المبدأ المنصوص عليه اليوم في المادة 4(ب) من القانون التأسيسي للاتحاد الإفريقي.
ومن المفارقات أن الصومال نفسه كان استثناءً عن هذا المبدأ في ستينيات القرن الماضي، حين تبنّى سياسة قومية توسعية. أما اليوم، فيستند الصومال إلى هذا المبدأ ذاته لمعارضة انفصال صوماليلاند.
وينص الدستور الصومالي المؤقت على أن أراضي الدولة «غير قابلة للتجزئة ولا للانقسام»، ويحدد الحدود الوطنية بحدود عام 1960. كما يدعم القانون الدولي هذا الموقف، إذ أعاد مجلس الأمن الدولي مرارًا التأكيد على سيادة الصومال ووحدته وسلامة أراضيه، بما في ذلك القرار 2809 (2025) الصادر في خضم أزمة الاعتراف بصوماليلاند.
وباختصار، فإن كلًا من السوابق التاريخية والمعايير القانونية القارية يدعمان بقوة موقف الصومال الرافض لأي انفصال أحادي لصوماليلاند.
3. مسعى صوماليلاند وصدمة الاعتراف عام 2025
تعمل صوماليلاند، الواقعة في شمال غرب الصومال، ككيان يتمتع بحكم ذاتي فعلي منذ عام 1991. ومع انهيار الحكومة المركزية الصومالية في ذلك العام، استند قادة صوماليلاند في هرجيسا إلى تاريخ استعماري مغاير، وإلى الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبها نظام سياد بري، لتبرير استعادة الاستقلال الذي نالوه لفترة وجيزة ( أربعة أيام ) عام 1960.
وخلال أكثر من ثلاثة عقود، بنت صوماليلاند مؤسساتها الخاصة، وأجرت انتخابات، وحافظت على قدر من الاستقرار، بل وأصدرت عملتها الخاصة، لتعمل فعليًا كدولة. ومع ذلك، لم تعترف بها أي دولة، إلى حد كبير بسبب الموقف الإفريقي الموحد الرافض لتغيير الحدود.
وأصرّت الحكومة الفيدرالية الصومالية والاتحاد الإفريقي باستمرار على ضرورة بقاء وحدة الصومال لعام 1960، مع عرض الحكم الذاتي ضمن نظام فيدرالي بدلًا من السيادة الكاملة.




