غالبًا ما تُفسَّر أزمة الغذاء في الصومال من خلال الجفاف، أو تغيّر المناخ، أو انعدام الأمن. ورغم أن هذه العوامل حقيقية، فإنها تخفي مشكلة بنيوية أعمق، تتمثل في نظام غذائي لا يستثمر كامل الإمكانات الزراعية المحلية للصومال، ولا يستفيد في الوقت نفسه من محيطه الإقليمي المباشر.
فالبلاد تستورد جزءًا كبيرًا من غذائها من أسواق بعيدة، في وقت تعاني فيه من ضعف الإنتاج المحلي، وعدم استغلال فوائض الاقتصادات المجاورة. والاستجابة المستدامة لهذه المعضلة تتطلب اعتماد مقاربة مزدوجة وواقعية تقوم على توسيع الإنتاج المحلي حيثما تسمح الظروف المناخية وتوافر المياه، إلى جانب الاعتماد المرحلي على الواردات الإقليمية من شرق إفريقيا إلى أن يتحقق قدر معقول من الاكتفاء الذاتي.
الصومال ليس بلدًا قاحلًا على نحو متجانس، كما أن إمكاناته الزراعية تختلف بحدة من منطقة إلى أخرى. وتظل المناطق النهرية على ضفاف نهري شبيلي وجوبا الأكثر إنتاجية، وتشكل القاعدة الأقوى لتحقيق الأمن الغذائي. وإلى جانب المحاصيل الأساسية مثل الذرة الرفيعة والذرة الشامية والسمسم، تتمتع هذه المناطق بقدرة كبيرة على إنتاج الفواكه.
فالموز، الذي كان تاريخيًا أحد أبرز صادرات الصومال، يزدهر في شبيلي السفلى وجوبا السفلى بفضل التربة الخصبة وتوافر المياه على مدار العام. كما تنمو المانجو، والبابايا، والجوافة، والليمون والحمضيات الأخرى بنجاح في المناطق نفسها، لا سيما حيث تُستخدم أنظمة ري صغيرة. أما البطيخ وأنواع الشمام الأخرى فهي تُنتج بالفعل على نطاق واسع، ويمكن توسيع إنتاجها مع تحسين مرافق التخزين والنقل. ولا تسهم هذه الفواكه في تحسين التغذية فحسب، بل توفر أيضًا فرص دخل للمزارعين القريبين من الأسواق الحضرية مثل مقديشو وكيسمايو ومركا.
وفي المناطق المطرية مثل باي وبكول وأجزاء من هيرشبيلي، يكون إنتاج الفواكه أكثر موسمية، لكنه يظل ممكنًا خلال دورات الأمطار الجيدة. كما أن بعض الأشجار المقاومة للجفاف، مثل التمر الهندي، كانت جزءًا من النظم الزراعية التقليدية منذ زمن طويل. أما في بونتلاند وأرض الصومال، حيث يقل هطول الأمطار، فتُعد زراعة النخيل الخيار الأكثر واقعية، خاصة في المناطق الساحلية والواحات، نظرًا لقدرته على التكيف مع المناخ الجاف ومحدودية حاجته للمياه بعد الاستقرار.
ويمثل إنتاج الخضروات مجالًا أوسع للإمكانات في مختلف أنحاء الصومال. ففي المناطق النهرية، يمكن للمزارعين زراعة البصل والطماطم والملفوف والسبانخ والبامية والفلفل والباذنجان والجزر على مدار العام تقريبًا مع إدارة مناسبة للمياه. ورغم أن هذه الخضروات تُعد من أساسيات المائدة الصومالية، فإن كميات كبيرة منها تُستورد بسبب عدم انتظام الإمدادات المحلية. ويؤدي توسيع زراعتها قرب المدن إلى تقليل الاعتماد على الواردات، وخفض الأسعار، وتحسين مستويات التغذية. وفي المناطق الوسطى ذات الأمطار الموسمية، يمكن زراعة بعض الخضروات خلال مواسم الأمطار، مع دعمها بتقنيات بسيطة لحصاد المياه. وحتى في المناطق الشمالية الأكثر جفافًا، تظل الزراعة المحدودة للخضروات ممكنة باستخدام الآبار السطحية والمضخات الشمسية والري بالتنقيط.
إلى جانب سياسات الإنتاج والتجارة، تتأثر أزمة الغذاء في الصومال أيضًا بسلوك الاستهلاك. فحتى عندما تتوافر الفواكه والخضروات المحلية، يفضّل كثير من سكان المدن المنتجات المستوردة، غالبًا بدافع الاعتقاد بأنها أنظف أو أكثر موثوقية أو أعلى مكانة اجتماعية. ويؤدي هذا النمط إلى رفع تكاليف المعيشة، وإضعاف الأسواق المحلية، وتعميق الاعتماد على الاستيراد. ومن ثمّ، فإن معالجة انعدام الأمن الغذائي لا تقتصر على زيادة الإنتاج وتحسين الاستيراد، بل تشمل أيضًا تغيير ثقافة الاستهلاك.
إن الاعتماد على الغذاء المحلي، خاصة الفواكه والخضروات والمحاصيل الأساسية، يمكن أن يخفف بشكل ملموس من أعباء المعيشة. فالأغذية المستوردة تحمل تكاليف خفية، تشمل النقل الطويل، ورسوم الموانئ، وتقلبات العملة، وهوامش الوسطاء، وكلها تنعكس في النهاية على المستهلك. أما المنتجات المحلية، عند شرائها قرب مصادرها، فتتفادى كثيرًا من هذه الأعباء. ومن شأن تعزيز ثقافة تقدير الغذاء المحلي أن يبقي الأموال داخل المجتمعات الصومالية، ويعزز دخول المزارعين، ويحقق قدرًا أكبر من استقرار الأسعار.
ولا يمكن ترك هذا التحول الثقافي لقوى السوق وحدها. إذ ينبغي لحملات التوعية العامة، وبرامج التغذية المدرسية، وسياسات الشراء الحكومي، أن تشجع على استهلاك المنتجات المحلية بوصفها خيارًا صحيًا واقتصاديًا ومسؤولًا اجتماعيًا. كما يمكن تشجيع المدارس والمستشفيات والمؤسسات العامة على شراء جزء من احتياجاتها من المزارعين المحليين، بما يخلق طلبًا مستقرًا ويعزز الثقة في الإنتاج الوطني. وللإعلام والقيادات الدينية والمجتمعية دور محوري في إعادة تقديم الغذاء المحلي بوصفه خيارًا عقلانيًا ووطنيًا، لا مجرد بديل اضطراري.
ولا يقل عن ذلك أهمية تعزيز الثقة في الجودة. فالاستثمار في معايير السلامة الغذائية الأساسية، وتحسين التغليف، والنظافة في الأسواق، من شأنه أن يمكّن المنتجات المحلية من منافسة المستورد ليس فقط في السعر، بل في الصورة الذهنية أيضًا. وعندما يثق المستهلك فيما يتناوله، تتغير العادات بسرعة.
عند هذه النقطة، يصبح دور السلطات العامة حاسمًا. فالتوسع في إنتاج الفواكه والخضروات يتطلب أكثر من ظروف طبيعية مواتية؛ إذ يعتمد على توفير البذور الجيدة، والأدوات الأساسية، ودعم الري، والخدمات الإرشادية، ومرافق التخزين، والطرق الريفية. كما أن السياسات الحمائية المدروسة، مثل حماية المواسم المحلية من إغراق الأسواق بالواردات، ضرورية لإتاحة فرصة عادلة للمزارعين دون الإضرار بالمستهلكين.

