في الصومال، كثيراً ما كانت الدساتير وثائق طموح أكثر منها أدوات لتنظيم الحكم. ومن خلال استبدال الغموض المؤقت بقواعد محددة، يراهن المشرّعون على أن الوضوح يمكن أن يخفف حدة الصراع، وأن المؤسسات حين تقوى يمكن أن تتجاوز الأفراد. وإذا طُبِّق الدستور المعدل بالعزم نفسه الذي أقرّه، فقد يُذكر هذا التصويت ليس فقط كتعديل قانوني، بل كلحظة هادئة بدأت فيها السياسة الصومالية تنضج.
عندما اعتمد الصومال دستوره المؤقت عام 2012، كان ذلك بدافع الضرورة. فقد كانت البلاد تخرج من عقود من انهيار الدولة وتحتاج إلى إطار قانوني يُعاد بناء المؤسسات على أساسه. ولهذا وُصف الدستور بأنه “مؤقت”، على أمل أن يُستكمل مراجعته الشاملة خلال بضع سنوات. لكن تلك المراجعة امتدت لأربعة عشر عاماً.
في الرابع من مارس/آذار 2026، صوّت البرلمان الفيدرالي الصومالي بغرفتيه على تعديل وإقرار الدستور المنقح، ليغلق بذلك فصلاً طويلاً ومشحوناً سياسياً. وقد حضر الجلسة 220 نائباً من مجلس الشعب وأعضاء مجلس الشيوخ، وهو حضور لافت لقرار يطمح إلى حسم أسئلة أساسية حول كيفية عمل الدولة.
لم يكن التأخير صدفة. فالبنية الفيدرالية نفسها التي سعى الدستور إلى تكريسها جعلت عملية مراجعته أكثر تعقيداً. فقد وعدت حكومات متعاقبة بإكمال الدستور، لكنها وجدت نفسها عالقة في خلافات حول توزيع السلطة بين مقديشو والولايات. وهكذا تحولت الفيدرالية، التي كان يُراد لها أن تكون آلية للتوافق، إلى ساحة للتنافس السياسي.
في قلب هذا المأزق كان الغموض. فالدستور المؤقت لعام 2012 رسم ملامح جمهورية فيدرالية، لكنه ترك أسئلة حاسمة بلا إجابة. من يسيطر على الموارد الطبيعية؟ وكيف توزع العائدات؟ وما حدود صلاحيات الحكومة الفيدرالية مقارنة بصلاحيات الولايات؟ وفي غياب الوضوح، ملأت السياسة الفراغ؛ فحلت المفاوضات محل القواعد، وأصبحت السوابق بديلاً عن النصوص الدقيقة.
يحاول الدستور المعدل تقليص هذه المساحات الرمادية. فهو يوضح تقسيم السلطات، ويتناول ترتيبات تقاسم الموارد، ويقدم تعريفاً أكثر صلابة للفيدرالية المالية. وبالنسبة لدولة تسعى إلى تعزيز تعبئة إيراداتها المحلية وتقليل اعتمادها على التمويل الخارجي، فإن هذا الوضوح ليس مجرد تجميل قانوني، بل بنية تحتية اقتصادية.
لطالما أشار المستثمرون، المحليون والأجانب على حد سواء، إلى أن عدم اليقين القانوني يمثل عائقاً أمام الالتزام طويل الأمد. فمن الصعب تسعير العقود عندما تكون السلطة محل نزاع، ومن الأصعب توقع الالتزامات الضريبية عندما تكون الصلاحيات المالية غير واضحة. ومن خلال تقنين السلطات بشكل أكثر تحديداً، سعى البرلمان إلى توفير ما تقدّره الأسواق أكثر من غيره: القدرة على التنبؤ.
لكن هذا لا يضمن الانسجام. فالأنظمة الفيدرالية بطبيعتها ديناميكية، والاقتصاد السياسي للصومال ما زال معقداً. ومع ذلك، فإن القواعد عندما تستقر تغيّر الحوافز. فالنزاعات التي كانت وجودية قد تتحول إلى إجراءات قانونية يمكن إدارتها.
ويعود جزء من الفضل في هذا الاختراق إلى الرئيس حسن شيخ محمود، الذي جعل استكمال مراجعة الدستور هدفاً مركزياً في برنامجه السياسي. وكانت حجته واضحة باستمرار: لا يمكن لدولة أن تبقى إلى ما لا نهاية في وضع مؤقت. ومن خلال دفع هذا الملف رغم المقاومة والتأخير، حوّل الإصلاح الدستوري من طموح نظري إلى أولوية تشريعية.
أما التنفيذ فقد تولته إلى حد كبير الحكومة بقيادة رئيس الوزراء حمزة عبدي بري. فالمجلس الوزاري، المكلّف بإدارة التوازنات البرلمانية والتوفيق بين المصالح المتنافسة، عمل على تسريع المداولات والحفاظ على زخم العملية. وفي بيئة سياسية كثيراً ما تتسم بالجمود، أصبح الحفاظ على الزخم إنجازاً بحد ذاته.

