"هذا المقال ملخص لتحليل أعدته «مورين فاريل» و«روز لوبيز كيرافووري» ونشره مركز إفريقيا التابع للمجلس الأطلسي بالتعاون مع مبادرة الجيوستراتيجية التابعة لمركز سكوكروفت للاستراتيجية والأمن
ترجمة وتلخيص: بوابة إفريقيا
في تحليل نشره مركز إفريقيا التابع للمجلس الأطلسي بالتعاون مع مبادرة الجيوستراتيجية التابعة لمركز سكوكروفت للاستراتيجية والأمن، ترى مورين فاريل وروز لوبيز كيرافووري أن الصومال لم يعد ينبغي النظر إليه فقط باعتباره تحدياً أمنياً مرتبطاً بمكافحة الإرهاب، بل كأصل استراتيجي ناشئ يتمتع بأهمية اقتصادية وجيوسياسية متزايدة.
وعلى مدى أكثر من ثلاثة عقود، نظرت الإدارات الأمريكية المتعاقبة إلى الصومال من زاوية مكافحة الإرهاب بصورة أساسية. وقد تشكل هذا التصور نتيجة التهديد المستمر الذي تمثله حركة الشباب، التي تُعد إحدى أكثر فروع تنظيم القاعدة قدرة وفاعلية، إضافة إلى تنامي دور تنظيم الدولة الإسلامية في الصومال (داعش-الصومال) داخل الشبكات الجهادية العابرة للحدود.
كما تأثرت الرؤية الأمريكية بإرث معركة مقديشو عام 1993، التي قُتل خلالها ثمانية عشر جندياً أمريكياً.
إلا أن الكاتبتين تؤكدان أن الصومال لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره تحدياً أمنياً فحسب، بل يمتلك إمكانات جيوسياسية واقتصادية كبيرة لا تزال واشنطن تقلل من تقديرها.
ويحتل الصومال موقعاً بالغ الأهمية بالقرب من مضيق باب المندب، البوابة التي تربط البحر الأحمر بخليج عدن. ومع استمرار الاضطرابات التي تؤثر على حركة الملاحة في المنطقة، بما في ذلك التداعيات المرتبطة بالتوترات في مضيق هرمز والبحر الأحمر، يُتوقع أن تتزايد أهمية الصومال الاستراتيجية خلال السنوات المقبلة.
وترى فاريل وكيرافووري أن الصومال قد يكون أحد أكثر الفرص الاستثمارية متوسطة وطويلة الأجل إغفالاً في إفريقيا، مشيرتين إلى أن الاستثمارات الأمنية الأمريكية الموجهة بعناية يمكن أن تسهم في توفير الاستقرار اللازم لتحقيق مكاسب في مكافحة الإرهاب، وفي الوقت نفسه دعم التنمية الاقتصادية.
وتشدد الكاتبتان على أن هذا لا يعني التخلي عن الجهود الحالية لمكافحة الجماعات المتطرفة، بل الاعتراف بأن صومالا أكثر استقراراً يمكن أن يحقق للولايات المتحدة عوائد استراتيجية وتجارية مهمة.
وتشير الدراسة إلى أن واشنطن تمتلك بالفعل موطئ قدم مهماً في الصومال، رغم أن حجم هذا الانخراط لا يحظى غالباً بالاهتمام الكافي.
وتستشهد الكاتبتان بتركيا بوصفها مثالاً لدولة عملت على توسيع نفوذها في الصومال عبر برامج التدريب العسكري والاستثمارات في الموانئ والمطارات والتعاون البحري، إضافة إلى أنشطة استكشاف الطاقة البحرية التي أطلقتها مؤخراً.
وتوضحان أن عمليات الحفر التركية في المياه العميقة قبالة السواحل الصومالية تمثل نموذجاً يدمج بين الأمن والدبلوماسية والطموحات التجارية.
ورغم أنهما لا تدعوان الولايات المتحدة إلى استنساخ النموذج التركي، فإنهما تؤكدان ضرورة إدراك أن الاستثمارات الأمنية يمكن أن تفتح أيضاً مجالات سياسية واقتصادية جديدة.
ووفقاً للتحليل، فإن الانخراط الأمريكي في الصومال لا يقتصر على العمليات العسكرية، بل يشمل برامج المساعدات المدنية، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، والعمليات الجوية المنسقة، وجهود مكافحة القرصنة، وبرامج التدريب العسكري.
وتُعد «لواء دنب» النخبة في الجيش الوطني الصومالي، الذي تلقى تدريباً أمريكياً، أحد أبرز ركائز هذا التعاون الأمني، بحسب الكاتبتين.
ومع ذلك، ترى الدراسة أن السياسة الأمريكية لا تزال تفتقر إلى إطار استراتيجي واضح يربط بين المساعدات الأمنية والأهداف السياسية والاقتصادية الأوسع.
وتؤكد فاريل وكيرافووري أن السؤال المطروح أمام واشنطن لم يعد ما إذا كان ينبغي لها البقاء في الصومال، بل ما هي الأهداف طويلة المدى التي تسعى إلى تحقيقها من خلال هذا الوجود.
وتقر الكاتبتان بأن عمليات مكافحة الإرهاب ستظل ضرورية، نظراً لقدرة حركة الشباب وتنظيم داعش-الصومال على التكيف والاستمرار وامتلاكهما نفوذاً إقليمياً متزايداً.
لكن الدراسة تؤكد أن النجاحات العسكرية التكتيكية وحدها لا تكفي. فبدون أهداف سياسية واقتصادية واضحة، قد تجد الولايات المتحدة نفسها عاجزة عن تحويل المكاسب الميدانية إلى نتائج استراتيجية مستدامة.
ومن هذا المنطلق، تدعو الكاتبتان واشنطن إلى تقييم أنشطتها في الصومال وفق معايير أوسع، تشمل حماية طرق التجارة البحرية، وتعزيز الحوكمة والمساءلة المحلية، ودعم الصمود المؤسسي، وتهيئة الظروف الملائمة للاستثمار.
وتكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة في ظل موقع الصومال بالقرب من ممرات بحرية استراتيجية تمر عبرها ما بين 12 و15 في المائة من التجارة العالمية، ونحو 30 في المائة من حركة الحاويات في العالم.
وترى الدراسة أن الهجمات والاضطرابات المرتبطة بأنشطة الحوثيين المدعومين من إيران رفعت من أهمية تأمين خطوط الملاحة في البحر الأحمر، الأمر الذي يجعل التعاون الأمني مع الصومال جزءاً من استراتيجية أوسع لأمن البحر الأحمر، وليس مجرد أداة لمكافحة الإرهاب.
كما تشير الكاتبتان إلى أن خطوات أمريكية حديثة، من بينها رفع العقوبات عن إريتريا، تعكس توجهاً متزايداً للتعامل مع الدول الساحلية في القرن الإفريقي باعتبارها جزءاً من مسرح بحري استراتيجي واحد.
وتسلط الدراسة الضوء كذلك على الإمكانات الاقتصادية غير المستغلة في الصومال.

