عالم رائد حمل ذاكرة الصومال وثقافتها وروحها إلى العالم بصوت حديث، وأعاد صياغة الفهم العالمي للصومال.
غابت الشمس اليوم عن عملاق من عمالقة الفكر الصومالي، وانطفأ سراجٌ لطالما أضاء عتمة المنفى بنور البصيرة. لم يكن البروفيسور علي جِمْعالي أحمد مجرد أكاديمي يملأ قاعات المحاضرات بالنظريات، بل كان شاعراً، وناقداً ثقافياً، وحكواتياً معاصراً، وجسراً فكرياً ربط ببراعة نادرة بين الصحراء الصومالية المليئة بالأساطير وأروقة الجامعات الأمريكية الصارمة. رحل اليوم في الولايات المتحدة، تاركاً خلفه إرثاً لا يندثر، وإيماناً راسخاً بأن الكلمة هي الحصن الأخير ضد النسيان والاندثار.
إن الحديث عن علي جِمْعالي أحمد هو حديث عن رجل قضى حياته في مداواة "شجن الشتات" (Diaspora Blues). كان حارساً للذاكرة الوطنية، متشككاً في "الدول المخترعة"، وصوتاً جسوراً أصرّ على أن كرامة الشعوب لا تُبنى على تزييف الحقائق، بل على مواجهة التاريخ بوجوهنا الحقيقية. وبوفاته، فقدت جامعة كوينز (Queens College) ومركز الدراسات العليا في جامعة مدينة نيويورك (CUNY) رئيساً لقسم الأدب المقارن، وفقد العالم بأسره بوصلة كانت تشير دائماً نحو الحقيقة المرة والجميلة في آن واحد.
1: صدى مقديشو.. منبت الروح وإيقاعات التكوين
بدأت رحلة علي جِمْعالي أحمد في أزقة مقديشو النابضة بالحياة في منتصف القرن العشرين، حيث كان نسيم المحيط الهندي يحمل معه قصص التجار والرحالة والشعراء. وُلِد في عالم لم تكن فيه الثقافة تُقرأ من الكتب فحسب، بل تُستنشق مع الهواء. نشأ في كنف أسرة جعلت من "الكلمة" أمانة مقدسة؛ فكان والداه أساتذته الأوائل الذين غرسوا فيه تلك الألفة العميقة مع اللغة والتدفق السردي، مستلهمين ذلك من الموروث الشفهي الصومالي الذي يقدس الإيقاع والذاكرة الجماعية.
في تلك السنوات التكوينية، كان علي يراقب تحول المجتمع الصومالي من البداوة العريقة إلى الحداثة المرتبكة تحت ظلال الاستعمار ثم الاستقلال. وفي كلية التربية بـ "لفولي"، بدأت ملامح شخصيته النقدية تتبلور؛ حيث عاين صراع الهوية بين لغة المستعمر ولغة الأرض. أدرك حينها أن "الشفاهية" ليست تخلفاً، بل هي مخزن الروح الجماعية، وأن الحكاية هي الخيط الذي يربط الصومالي بأرضه حتى وإن غادرها. عمله في الصحافة والإذاعة لاحقاً لم يكن مجرد وظيفة، بل كان مختبراً لتعلم كيفية مخاطبة الجمهور وترجمة تطلعات الأمة إلى لغة مفهومة.
2: شجن الشتات.. عبور المحيطات وحمل الأوطان في الحقائب
في عام 1982، اتخذت حياة علي منحىً قدرياً بامتياز عندما هاجر إلى الولايات المتحدة. وصل كباحث إلى جامعة كاليفورنيا (UCLA)، لكنه لم يكن مهاجراً عادياً يبحث عن الرفاهية، بل كان "منفياً فكرياً" يحمل معه جراح وطن بدأ يتمزق تحت وطأة الاستبداد.
في لوس أنجلوس، وجد في الأكاديميا سلاحاً جديداً؛ فمن خلال رئاسته لتحرير مجلة Ufahamu، حوّل الورق إلى منصة لمساءلة النظام السياسي في مقديشو، مما جعله "شخصاً غير مرغوب فيه" في نظر السلطة، لكنه في الوقت ذاته أصبح صوتاً لا يمكن تجاهله في دوائر الفكر العالمية.
إن تجربة المنفى عند جِمْعالي لم تكن هروباً، بل كانت "هجرة نحو البصيرة". نال دكتوراه في الأدب المقارن، متمكناً من أدوات النقد الغربي لا ليتماهى معها، بل ليستخدمها كمشرط جراح يفكك به الأزمات البنيوية في القرن الأفريقي. كان يؤمن أن المنفي لا يترك وطنه خلفه، بل يحمله معه كوشم لا يزول، وهو ما تجلى بوضوح في دواوينه التي صوّرت المهاجر كـ "إنسان بلا دولة" يتلمس طريقه في عواصف العولمة.
3: هندسة النقد.. تفكيك "اختراع الصومال"
تُعد مساهمة علي جِمْعالي أحمد في الدراسات الصومالية ثورة فكرية بكل المقاييس. في عام 1995، حرر كتابه العمدة اختراع الصومال (The Invention of Somalia)، وهو العمل الذي أحدث زلزالاً في المفاهيم السائدة. في وقت كان فيه الباحثون الأجانب وبعض النخب المحلية يروجون لصورة نمطية عن "الأمة المتجانسة"، جاء علي ليقول إن هذه الصورة هي "اختراع" حداثي قمع التنوع الثقافي والاجتماعي الحقيقي للقبائل والمجموعات الصومالية.
جادل جِمْعالي بأن الدولة القومية التي أُنشئت في الستينيات كانت بناءً هشا فشل في استيعاب حقائق الأرض، مما أدى بالضرورة إلى انفجار عام 1991. من خلال تسليط الضوء على أصوات المهمشين مثل "الرحنوين" وسكان الجنوب، ومن خلال الاحتفاء بالشعر "غير الرسمي" الذي تجاهله المستشرقون، نجح علي في تحرير العقل الصومالي من "قداسة التزييف". لم يكن يدعو للتفرقة، بل كان يدعو لوحدة مبنية على الاعتراف بالاختلاف، مؤكداً أن الصمت عن المظالم التاريخية ليس ذهباً، بل هو الوقود الذي يشعل الحروب الأهلية.
4: الفلسفة الشعرية.. "الخوف بقرة" والرثاء كفعل صمود
لم يكن علي أكاديمياً جافاً، بل كان شاعراً يقطر حكمة. في مجموعته الخوف بقرة (Fear Is a Cow)، استلهم الحكمة الشعبية الصومالية ليصيغ منها رؤية كونية عن الخوف والشجاعة. بالنسبة له، "الرثاء هو صوت الناجي"؛ فلكي تنجو من المأساة، عليك أن تملك الشجاعة لرثائها، ولتحويل الألم إلى نص جمالي يتجاوز اللحظة الراهنة.
في ديوانه "شجن الشتات"، قدّم لنا علي صورة المهاجر "الهجين" الذي يعيش بين لغتين وثقافتين وعالمين. مزج في شعره بين سخرية "ألكسندر بوب" و"جوناثان سويفت" وبين عمق "المعري" ووضوح "الحكواتي" الأفريقي.
بينما وفّرت دراساته الأكاديمية الهيكل لفهم الصومال، منحت قصائده هذا الفهم لحمه ودمه. عبر مجموعاته مثل «الفجر قريب» (1997) و«الخوف بقرة» (2002)، و«شجن الشتات» (2005)، و«حين تلد الحمير عجولاً» (2012)، استكشف أحمد المشهد النفسي للمنفى.
كان شعره يرفض الرومانسية المفرطة تجاه الماضي؛ لم يكن يبكي على الأطلال، بل كان يبني من حطام الذاكرة بيتاً جديداً يسكنه المشردون في المنافي. تُرجمت أشعاره إلى اليابانية والصربية والكرواتية، لأن وجعه لم يكن صومالياً فحسب، بل كان وجعاً إنسانياً عالمياً يمس كل من فقد أرضه أو هويته.
5: المعلم والمنارة.. في رحاب جامعة كوينز
على مدى أكثر من ثلاثين عاماً في جامعة كوينز بمدينة نيويورك، لم يكن البروفيسور جِمْعالي مجرد أستاذ، بل كان "أباً روحياً" لآلاف الطلاب من مختلف الجنسيات. تميز بأسلوب تعليمي سقراطي يرفض التلقين ويشجع على التفكير النقدي الحر. في قاعته الدراسية، كان الأدب الأفريقي يقف على قدم المساواة مع الأدب الأوروبي، وكان التراث الشفهي يُدرس بجدية تضاهي دراسة الرواية الحديثة.

