على مدى العقد الماضي، شهدت بلدة مِلْحو، وهي مستوطنة نائية في شمال شرقي الصومال، ازدهارًا كبيرًا – وإن ظل إلى حدٍّ بعيد خارج دائرة الاهتمام – في نشاط تعدين الذهب، حوّلها من موقع تعدين تقليدي محدود إلى واحدة من أكثر الجبهات الاستخراجية حيويةً، وفي الوقت ذاته الأقل خضوعًا للحكم في البلاد. يستند هذا المقال إلى دراسة أُجريت في يناير/كانون الثاني 2026 أعدّها "جاي بهادور"، ونشرتها «المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود» (GI-TOC)، وتُعد حتى الآن أكثر الدراسات شمولًا حول اقتصاد الذهب في مِلْحو وتداعياته السياسية والأمنية والبيئية الأوسع.
من معسكر تعدين إلى مدينة مزدهرة
بحسب دراسة جاي بهادور، جرى اكتشاف الذهب لأول مرة في منطقة مِلْحو قرابة عام 2006، مع ظهور نشاط تعدين مبكر في صور الأقمار الصناعية بحلول عام 2010. وما بدأ كممارسات استخراج حرفية محدودة، تصاعد تدريجيًا ليصبح حمى ذهب مكتملة الأركان. ففي عام 2016، لم تكن مِلْحو تضم سوى بضع عشرات من المباني التي تأوي عدة مئات من السكان. وبحلول عام 2025، توسّعت لتصبح مستوطنة مترامية الأطراف يُقدَّر عدد سكانها بما بين 10 آلاف و15 ألف نسمة، مستقطبة عمّال تعدين من مختلف أنحاء الصومال، إضافة إلى السودان واليمن وإثيوبيا وتنزانيا.
ورغم أن هذا الازدهار أوجد سبل عيش جديدة في منطقة عانت تاريخيًا من التهميش، يشير بهادور إلى أنه أدى في الوقت نفسه إلى اضطراب اجتماعي، وانعدام أمن، ومنافسة محتدمة على الموارد، وكل ذلك في ظل غياب شبه كامل لسلطة دولة فاعلة.
فراغ قانوني وسياسي
كما توثّق دراسة GI-TOC، تقع مِلْحو في إقليم سناغ، وهو إقليم ظل لسنوات طويلة محل نزاع بين ولاية "بونتلاند وأرض الصومال (التي أعلنت انفصالها عن الصومال من طرف واحد) والحكومة الفيدرالية الصومالية. وتعقّد المشهد السياسي أكثر بعد الاعتراف الرسمي للحكومة الفيدرالية بولاية شمال شرق الصومال عام 2025. وعلى الرغم من تداخل المطالبات السياسية، لا تمارس أي جهة سلطة فعلية أو ذات معنى على مِلْحو.
ووصف عمّال التعدين الذين قابلتهم فرق البحث البلدة باستمرار بأنها «منطقة حرة»، تفتقر إلى أنظمة الترخيص، والرقابة التنظيمية، وتطبيق الضرائب. وتدّعي ولاية بونتلاند حكمها للمنطقة بحكم الواقع، لكنها تفتقر إلى قانون تعدين نافذ، وإلى القدرة التنفيذية اللازمة لحوكمة هذا القطاع. أما الحكومة الفيدرالية، فتؤكد أن جميع أنشطة التعدين في مِلْحو غير قانونية بموجب القانون الفيدرالي، وهو موقف جددته وزارة النفط والمعادن الصومالية في أواخر عام 2025، لكنها في المقابل لا تمتلك أي وجود تشغيلي فعلي في المنطقة.
ويضع بهادور هذا الفراغ في سياق التسوية الفيدرالية غير المكتملة في الصومال. فالدستور المؤقت لعام 2012 ينص على إدارة مشتركة للموارد الطبيعية بين الحكومة الفيدرالية والولايات، إلا أنه لا يوجد حتى الآن إطار ملزم ينظّم قطاع الصناعات الاستخراجية، وهو فراغ أتاح مرارًا سيطرة النخب على الموارد.
اقتصاد تعدين غير منظَّم
توثّق الدراسة، التي نشرتها «المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود»، وجود ما لا يقل عن 20 موقع تعدين نشطًا تديرها 18 جهة تجارية، إلى جانب عشرات الشركات غير المنظَّمة التي تعمل دون وضع قانوني واضح. ومعظم هذه الجهات لا تمتلك تراخيص فيدرالية، في حين لا يوجد لدى ولاية بونتلاند أي نظام قانوني مُقنَّن للتعدين ساري المفعول.
وتُعد أساليب التعدين والمعالجة بدائية وخطيرة بيئيًا. فعملية دمج الزئبق منتشرة على نطاق واسع، ما يؤدي إلى إطلاق أبخرة سامة وتلوّث التربة والمياه. كما ظهرت منشآت لاستخلاص الذهب باستخدام السيانيد، ما يشكّل مخاطر طويلة الأمد على المياه الجوفية والنظم البيئية. وكما يؤكد بهادور، يتحمّل عمّال التعدين والسكان المحليون هذه المخاطر، في حين تتدفّق غالبية الأرباح إلى أطراف بعيدة عن موقع الإنتاج.
ورغم حجم الإنتاج الكبير، لا تجني الدولة الصومالية الفيدرالية إيرادات تُذكر. وولاية بونتلاند لا تجمع سوى رسم تصدير رمزي في مطار بوصاصو، ولا يظهر جزء كبير من هذه العائدات في الحسابات المالية الرسمية.
سيطرة النخب والمصالح السياسية
تُعد سيطرة النخب إحدى النتائج المحورية في تحليل بهادور. إذ يحدّد التقرير «مجموعة ماندِيق للطاقة والمعادن» باعتبارها أحد كبار مصدّري الذهب، مع وجود صلات ظاهرة بأفراد من عائلة رئيس ولاية بونتلاند سعيد عبد الله دني. وعلى الرغم من أن الشركة لا تبدو حائزة على ترخيص تعدين فيدرالي، تشير سجلات الجمارك إلى قيامها بتصدير الذهب من مِلْحو.
ويربط تقرير GI-TOC هذا النمط بتجارب سابقة لمنح امتيازات الموارد في بونتلاند، ولا سيما صفقة «رينج ريسورسز» المثيرة للجدل في منتصف العقد الأول من الألفية، والتي ساهمت في اندلاع نزاعات مسلّحة في مناطق تقطنها عشائر ورسنجلي. ويحذّر بهادور من أن حمى الذهب في مِلْحو قد تعيد إنتاج هذه الديناميات في ظل ظروف سياسية أشد هشاشة.

