قبل أن تبدأ الحملات، وقبل أن تُرفع الشعارات، وقبل أن يُحسم الجدل بين الانتخاب المباشر وغير المباشر، تبدو في الصومال معركة أخرى قد انطلقت فعليًا — معركة لا تدور حول من سيفوز، بالمنصب الكبير، بل حول من سيسمح له أصلًا بدخول المضمار.
ما يبدو في العلن خلافًا محصورًا بين الرئيس حسن شيخ محمود وأحمد محمد إسلان “مدوبي” بشأن انتخابات ولاية جوبالاند المتنازع عليها، يخفي وراءه إعادة تموضع سياسية أوسع تمسّ سباق 2026 برمّته. فقبل أن تبدأ الحملات الانتخابية، تجري محاولة لإعادة تعريف قواعد اللعبة.
ولفهم ما يحدث، لا يكفي التوقف عند التصريحات المتبادلة، بل يجب طرح سؤال أعمق: ليس ماذا يريد كل طرف، بل من يسعى كل طرف إلى تحجيمه أو إخراجه من المعادلة.
ثلاثة أطراف… وثلاث حسابات
أحمد مدوبي يطالب الحكومة الفيدرالية باعتراف واضح بنتائج الانتخابات التي أجراها في جوبالاند. هذا الملف ظل مصدر توتر مزمن بينه وبين الرئيس حين شيخ، وتسويته تمثل بوابة دخوله إلى أي ترتيبات سياسية قادمة.
سعيد عبد الله دني، رئيس ولاية بونتلاند وأحد أبرز الطامحين إلى الرئاسة، يدفع باتجاه انتخابات غير مباشرة تُجرى عبر مندوبين عشائريين وتصويت برلماني، لا عبر اقتراع شعبي مباشر. هذا الخيار ليس مسألة إجرائية، بل ركيزة استراتيجية تحدد مسار حملته وفرصه.
أما الرئيس حسن شيخ محمود، فيعلن تمسكه بانتخابات مباشرة على قاعدة “صوت واحد لكل مواطن”، ويقدم ذلك باعتباره استحقاقًا دستوريًا وخطوة نحو ترسيخ الدولة الحديثة. غير أن الإطار المؤسسي الذي يحيط به هذا الطرح يشي بأبعاد أكثر تعقيدًا من الخطاب المعلن.
منطق المؤسسات… وحدود المشاركة
يرتكز موقف الرئيس على قاعدة دستورية واضحة: شكل انتخاب الرئيس يجب أن يُحسم عبر مؤسسات الدولة الرسمية، لا عبر تفاهمات بين المرشحين. فإذا تقرر المسار المباشر، يتولى البرلمان سن القوانين اللازمة. وإذا تقرر المسار غير المباشر، يُحال الأمر إلى المجلس الاستشاري الوطني الذي يضم رئيس الجمهورية وقادة الولايات الفيدرالية.
من حيث المبدأ، يبدو ذلك دفاعًا عن المسار المؤسسي. غير أن التطبيق العملي يعني إقصاء المرشحين من خارج هذه الدائرة عن طاولة القرار، وحصر الكلمة الفصل في يد الرؤساء الحاليين للأقاليم.
فالمجلس الاستشاري الوطني يرأسه رئيس الجمهورية، وعضويته تقتصر على رؤساء الأقاليم الفيدرالية. أما المرشحون الذين لا يشغلون هذه المناصب، فلا موقع لهم داخله.
وبالتالي، إذا حُسمت صيغة الانتخابات داخل هذا المجلس، فإن القرار سيصدر عن أطراف قد تكون معنية مباشرة بنتيجته، فيما يجد بقية المرشحين أنفسهم أمام لعبة لم يشاركوا في وضع قواعدها.
حسابات سعيد دني…

