«الدول لا تنهار عندما تختلف، بل عندما يتحول الاختلاف إلى مشروع يقوض وحدتها ويبدد هويتها ومؤسساتها ومستقبل أجيالها.»-«آدم شيخ حسن “الأزهري”
ليست كل الحروب تُخاض بالرصاص، ولا تبدأ الهزائم جميعها بسقوط المدن. فثمة أوطان تنهار أولًا في الوعي، قبل أن تتصدع على الخرائط. وما إن تتسلل إليها فكرة الانقسام، حتى يصبح سقوط الحدود مجرد مسألة وقت. ذلك أن أخطر ما يواجه الدول ليس عدوًا يقف على تخومها، بل مشروعًا ينمو في داخلها، يعيد تعريف الوطن بوصفه مجموعة أقاليم متنازعة، لا دولة تجمعها هوية واحدة ومصيرًا مشتركًا.
لقد دفع الصومال ثمنًا باهظًا خلال العقود الماضية؛ فقد أنهكته الحروب الأهلية، وعصفت به الجماعات الإرهابية، واستنزفته الصراعات القبلية، وأرهقه الانهيار المؤسسي، كما عانى من ظاهرة القرصنة، حتى غدا نموذجًا للدولة التي كادت أن تفقد وجودها.
غير أن الشعب الصومالي، رغم قسوة المحنة، استطاع أن يضع قدميه مجددًا على طريق التعافي، مستعيدًا جانبًا من حضوره السياسي ومؤسساته الوطنية، ومتمسكًا بالأمل في استعادة مكانته بين الأمم.
لكن، بينما كان الجميع يترقب اكتمال مسيرة التعافي، أخذ خطر آخر يطل برأسه، لا يقل فداحة عن الإرهاب ولا يقل أثرًا عن الحرب الأهلية؛ إنه خطر الانفصال، الذي يهدد بتفكيك الدولة الصومالية من الداخل، وتقويض الأساس الذي يقوم عليه مشروعها الوطني.
فمنذ إعلان أرض الصومال انفصالها من جانب واحد عام 1991، وهي تسعى إلى تكريس هذا الواقع سياسيًا ودبلوماسيًا، في وقت بدأت فيه بعض الولايات الفيدرالية تتوسع في تفسير صلاحيات الحكم الذاتي، حتى باتت الفيدرالية، في بعض الخطابات والممارسات، تُقدَّم بوصفها محطة نحو الانفصال، لا إطارًا لتنظيم العلاقة بين المركز والأقاليم. وهنا يكمن الخطر الحقيقي؛ إذ تتحول الفيدرالية من أداة لبناء الدولة إلى وسيلة لتفكيكها.
واللافت أن هذا المشهد يتشكل في لحظة فارقة تتجه فيها الأمم إلى ما هو نقيض الانقسام. فالعالم اليوم يبني التكتلات الاقتصادية، ويعزز الاتحادات الإقليمية، ويوحد الأسواق والقدرات، بعدما أدرك أن زمن الكيانات الصغيرة المنعزلة قد ولى، وأن القوة في القرن الحادي والعشرين لا تُقاس بمساحة الدولة أو بعدد الكيانات، بل بقدرة الشعوب على التوحد والتكامل.
ومن هذا المنطلق، فإن وحدة الأراضي الصومالية ليست شعارًا سياسيًا يُرفع في المناسبات، ولا خطابًا عاطفيًا يُستدعى عند الأزمات، بل هي قضية وجود، والركيزة التي يقوم عليها بقاء الدولة واستمرارها.
ومن هنا، فإن الحفاظ على مكانة الصومال بين الأمم لا يمكن أن يتحقق إلا بصون وحدته الوطنية وترسيخها، باعتبارها أساس الشرعية والسيادة والاستقرار. وهو ما يقتضي تضافر الجهود الرسمية والشعبية لتعزيز مسار الوحدة، عبر ترسيخ قيم الانتماء الوطني، وإحياء مبادئ القومية الصومالية، التي ما تزال تعاني آثار التقسيم وتداعياته الممتدة.
لقد أثبت التاريخ أن الدول التي أخفقت في حماية وحدتها دفعت ثمنًا باهظًا من أمنها واستقرارها وتنميتها، وانزلقت إلى دوامات من الصراع والاستنزاف، بينما استطاعت الدول التي جعلت وحدتها الوطنية فوق كل اعتبار أن تبني مؤسساتها، وتحفظ سيادتها، وتمضي بثقة نحو المستقبل.
إن وحدة الصومال، في تقديري، ليست خيارًا سياسيًا قابلًا للمساومة، ولا بديلًا من بين بدائل متعددة، وإنما هي ضرورة وطنية لا غنى عنها، وشرط لا يستقيم بدونه مشروع الدولة الصومالية. وأي مشروع يقود إلى تقسيم البلاد، مهما اكتسى من مبررات سياسية أو استند إلى ذرائع تاريخية، لن يفضي إلا إلى مزيد من الوهن والتشرذم، ويبدد ما تحقق من جهود في إعادة بناء الدولة.
لقد عرف الصومال، أكثر من غيره، معنى التقسيم. ففي أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، قسمت القوى الاستعمارية الأراضي الصومالية إلى خمسة أجزاء، فتوزعت الأمة الواحدة بين الإدارتين البريطانية والإيطالية، والإدارة الفرنسية، والحكمين الإثيوبي والكيني، في واحدة من أكثر عمليات التقسيم تعقيدًا في القارة الإفريقية.
ولم يكن ذلك التقسيم نتاج اختلافات اجتماعية أو حضارية بين أبناء الشعب الصومالي، بل كان انعكاسًا لموازين القوى الاستعمارية آنذاك. وعندما نال شطرا الصومال استقلالهما واتحدا عام 1960، لم يكن ذلك مجرد اندماج إداري بين دولتين ناشئتين، بل كان تعبيرًا عن حلم تاريخي باستعادة ما أمكن من وحدة الشعب والأرض.
غير أن هذا الحلم ظل ناقصًا، لأن أجزاءً واسعة من الأراضي الصومالية بقيت خارج إطار الدولة الوطنية. ولذلك، فإن الصومال، في حقيقته التاريخية، ليس دولة تبحث عن وحدة مفقودة، بل وطن سبق أن تعرض للتقسيم المتعمد، ثم نجح في توحيد أجزاء كبيرة منه تحت راية الجمهورية الصومالية.
ومن ثم، فإن أي مشروع جديد للتجزئة لا يُعد استجابة لواقع تاريخي، بل ارتدادًا إلى مرحلة تجاوزها الصوماليون بتضحياتهم ونضالهم من أجل الدولة الواحدة.
ومن هذه الحقيقة تبرز مفارقة لافتة؛ فكيف يمكن الحديث عن تقسيم جديد لدولة عانت أصلًا من التقسيم؟ وكيف يصبح الانفصال حلًا لدولة لا تزال آثار التجزئة التاريخية حاضرة في وجدان شعبها؟ إن منطق التاريخ يقول إن معالجة الانقسام لا تكون بإنتاج انقسامات جديدة، وإنما بإيجاد صيغ عادلة تحفظ وحدة الدولة وتستوعب تنوعها.
إن الدعوات الانفصالية، مهما كانت مبرراتها السياسية أو الاقتصادية أو الأمنية، تحمل في طياتها مخاطر تتجاوز حدود الإقليم الذي يطالب بالانفصال. فالتاريخ يعلمنا أن تفكيك الدولة لا يتوقف عند حدود الكيان الأول، بل يفتح الباب أمام مطالب مماثلة في أقاليم أخرى، لتدخل البلاد في دوامة لا تنتهي من التشظي وإعادة رسم الخرائط.

