«قد تصنع الملاعب الأبطال، لكن المؤسسات هي التي تصنع الكرامة عندما تختار الدفاع عن أصحابها في أصعب لحظات المحنة.» --عبد الرحمن غوري
هناك لحظات ترسب فيها المؤسسات في امتحان الأخلاق قبل أن ترسب في امتحان الإدارة. وما حدث مع الحكم الدولي الصومالي «عمر عبد القادر عَرتن» سيظل علامة فارقة في ذاكرة الرياضة الصومالية، لأنه لم يكن مجرد حادثة عابرة في مسيرة حكم دولي ناجح، بل كشف حقيقة أعمق؛ وهي أن أصعب ما قد يواجهه الإنسان، بعد سنوات طويلة من الاجتهاد، ليس المنافسة ولا الفشل، وإنما أن يُترك وحيداً عندما يتعرض لظلم لا يد له فيه.
فالمؤسسات العظيمة لا تُقاس بعدد البطولات التي تنظمها، ولا بحجم الشعارات التي ترفعها، وإنما بقدرتها على حماية أبنائها والدفاع عنهم عندما يصبح ذلك واجباً أخلاقياً قبل أن يكون مسؤولية إدارية.
لم يصل «عمر عبد القادر عرتن» إلى قائمة حكام كأس العالم بالمجاملة أو بالمحسوبية، بل شق طريقه بالصبر والعمل والانضباط حتى أصبح أحد أبرز حكام القارة الإفريقية، وتُوج بجائزة أفضل حكم في إفريقيا لعام 2025، في إنجاز غير مسبوق لحكم صومالي. ثم جاء اختياره ضمن طاقم التحكيم الإفريقي في كأس العالم ليؤكد أن هذا النجاح لم يكن وليد الصدفة، بل ثمرة سنوات من الكفاءة والنزاهة والالتزام داخل المستطيل الأخضر.
غير أن منعه من دخول الولايات المتحدة حرمه من المشاركة في البطولة، رغم أنه لم يكن مسؤولاً عن الأسباب التي أدت إلى ذلك. وهكذا وجد نفسه يدفع ثمن ظروف لا علاقة لها بمسيرته المهنية أو مستواه الفني أو استحقاقه الرياضي، وهو ما أثار تعاطف كثيرين ممن يؤمنون بأن الرياضة يجب أن تبقى ساحة للعدالة وتكافؤ الفرص، بعيداً عن الاعتبارات التي لا يملك الرياضيون أي قدرة على التحكم فيها.
وكان المنتظر من الاتحاد الدولي لكرة القدم أن يقف إلى جانب أحد الحكام الذين منحهم ثقته لإدارة أكبر بطولة كروية في العالم، وأن يبذل كل ما في وسعه لإيجاد مخرج يحفظ حقه، أو على الأقل أن يصدر موقفاً واضحاً يؤكد تمسكه بأحد أفضل حكامه.
لكن غياب موقف حاسم ترك انطباعاً لدى كثيرين بأن المؤسسة لم ترتق إلى مستوى مسؤوليتها في حماية أحد كوادرها، وهو ما فتح باباً واسعاً للنقاش حول حدود المسؤولية الأخلاقية للمؤسسات الرياضية تجاه منتسبيها. فالعدالة لا تكتمل باختيار الأكفأ فحسب، بل تكتمل أيضاً بالدفاع عنه عندما يواجه ظروفاً استثنائية خارجة عن إرادته.
وفي المقابل، جاء موقف الاتحاد الأوروبي لكرة القدم ليقدم صورة مختلفة. فقد رأى كثيرون أن تكليف «عمر عبد القادر عرتن» بإدارة مباراة كأس السوبر الأوروبي بين «باريس سان جيرمان» و«أستون فيلا» لم يكن مجرد تعيين تحكيمي، بل رسالة واضحة بأن الكفاءة لا تسقط بقرار إداري، ولا تنتقص منها عقبة سياسية، وأن ما خسره في كأس العالم لم يغير مكانته لدى مؤسسة تؤمن بأن الجدارة هي المعيار الأول، وأن قيمة الحكم تُقاس بما يقدمه داخل الملعب، لا بالظروف التي فُرضت عليه خارجه.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ اختار رئيس الاتحاد الأوروبي لكرة القدم، «ألكسندر تشيفرين»، عدم حضور المباراة النهائية لكأس العالم، بينما كان رئيس الاتحاد الصومالي لكرة القدم، «علي شينو»، في نيوجيرسي لمتابعة النهائي.
وقد رأى كثيرون في هذا المشهد مفارقة لافتة، لأن التوقعات كانت تتجه إلى أن تكون المؤسسة الوطنية أول من يدافع عن أفضل حكم في تاريخ البلاد، وأن تجعل قضيته أولوية قبل أي حضور بروتوكولي أو مناسبة رياضية.
ومن هنا شعر عدد كبير من المتابعين بأن «عمر عبد القادر عرتن» وجد من يقدر مكانته خارج حدود وطنه أكثر مما وجده داخل مؤسسته الوطنية، وأن الرسالة التي بعث بها الموقف الأوروبي كانت أبلغ من أي بيان، لأن التضامن الحقيقي يُقاس بالأفعال لا بالشعارات.

