في عالم الأسواق الناشئة عالي المخاطر، لا يُعد المطار الدولي مجرد مدرج إسفلتي ومتاجر سوق حرة؛ بل هو بطاقة التعريف الأولى للدولة. بالنسبة للصومال، البلد الذي يمر بمرحلة انتقال دقيقة من التعافي بعد النزاع إلى نضج المؤسسات، يُعد مطار آدن عبد الله الدولي في مقديشو بطاقة مزدحمة على نحو خاص. بالنسبة للمستثمر المتردد، هو شريان تجاري. وللمجتمع الدولي، هو مجمع “حلني” المحصّن، ذلك الجيب العسكري–الدبلوماسي. وللطبقة السياسية في البلاد، أصبح ضاحية سكنية عالية التحصين لبعض أطراف المعارضة.
هذه “الهوية الثلاثية” لا تخلق إرباكًا لوجستيًا فحسب؛ بل توحي بدولة ما تزال مستأجرة في بيتها. وبالنسبة لمن يسوّقون الصومال كوجهة استثمارية عبر استقطاب رؤوس الأموال الأكثر تدقيقًا في العالم، فإن هذا التشابك يمثل تحديًا جوهريًا. فالسيادة هي أساس الاستثمار؛ ومن دون سلطة واضحة وغير منازَع عليها على البوابة الرئيسية للبلاد، يظل خطاب “الصومال الصاعد” مكبلًا بالأرض.
الثكنة والبوابة
السيادة، كما يؤكد أي خبير دستوري أو دبلوماسي مخضرم، ليست مجرد مقعد في الأمم المتحدة، أو عملة معترف بها، أو علم مرفوع؛ بل هي الحق الحصري في ممارسة السلطة على إقليم معين. في مطار آدن عبد الله الدولي، تتعرض هذه السلطة اليوم للتخفيف بفعل اعتبارات أمنية. فالحياة المزدوجة للمطار، كمركز تجاري وقاعدة عسكرية لبعثة الاتحاد الإفريقي(AUSSOM)، تخلق خط قيادة ضبابيًا يتعارض بصورة متزايدة مع متطلبات اقتصاد حديث.
عندما يتحول المطار الوطني إلى ثكنة عسكرية، فإن قواعد الاشتباك تتقدم غالبًا على قواعد التجارة. والطريق الرئيسي الذي يربط المطار بالمدينة يمثل رمزًا واضحًا لهذا الاحتكاك. فالبروتوكولات الأمنية كثيرًا ما تُملَى بدافع التحوط لدى البعثات الدولية، بدلًا من تسهيل الحركة التجارية. بالنسبة للمستثمر الأجنبي، ينبغي ألا تكون التجربة الأولى في الصومال سلسلة من الحواجز المرهِبة ونقاط التفتيش التي يديرها أجانب، بما يوحي بأن الدولة ضيف داخل محيطها.
دار ضيافة المعارضة
تتعقد الصورة أكثر مع تحول المطار إلى ملاذ سياسي. ففي الأشهر الأخيرة، أصبحت محيطات المطار مسرحًا لمشاهد عبثية. وبسبب مظلة الأمان النسبي التي يوفرها الوجود الدولي، اتخذت شخصيات سياسية وفصائل من “المعارضة” إقامة شبه دائمة في فنادق داخل نطاقه. وهكذا تحول المطار إلى مسرح رئيسي للمناورات السياسية، بعيدًا عن الرقابة الإدارية المعتادة للمدينة.
هذا التسييس للمحيط يفضي إلى مواقف غير لائقة. فعندما يصبح المطار منصة للاستعراض السياسي، يفقد حياده كبنية تحتية وطنية. وبالنسبة للمستثمر، فإن مشهد تجاذب سياسي عند صالة السفر الرئيسية يعد تذكيرًا حيًا – وإن كان غير مرغوب فيه – بهشاشة المؤسسات.
درس كمبوديا
ليست الصومال أول دولة تواجه أزمة “الهوية الثلاثية” لبوابتها الرئيسية. ففي تسعينيات القرن الماضي، واجه مطار بنوم بنه الدولي في كمبوديا أزمة وجودية مشابهة إلى حد بعيد. وبعد عقود من النزاع، كان المطار خليطًا فوضويًا من محطة مدنية، وقاعدة لسلطة الأمم المتحدة الانتقالية (UNTAC)، ومعقل لفصائل سياسية متنافسة احتفظت بأجهزتها الأمنية داخل أرض المطار.
تجاوزت كمبوديا هذه المرحلة عبر “نزع التسييس” الصارم لبنيتها التحتية. إذ عمدت الحكومة إلى توحيد أمن المطار تحت قيادة مدنية احترافية، وأبعدت الميليشيات والمواقع العسكرية خارج المحيط التجاري. ومن خلال الفصل بين المناطق “الخضراء” (العسكرية) و”الزرقاء” (المدنية)، ومنح امتياز تشغيل شفاف لمشغّل دولي مع رقابة حكومية صارمة، تحوّل المطار من بؤرة احتكاك إلى مركز عالمي المستوى.
الصندوق الأسود
ثم هناك مسألة الدفاتر المالية. فالسّيادة ممارسة مالية أيضًا. يستضيف المطار حاليًا العديد من الشركات والمقاولين الدوليين، وهو أمر ظل موضع قلق دائم لدى مكتب المراجع العام في الصومال.
إن دولة ذات سيادة لا تستطيع تدقيق بوابتها الرئيسية، ستجد صعوبة في إقناع المستثمرين الدوليين أو شركات الأسهم الخاصة بشفافيتها. فالسيادة على الموانئ والمطارات هي “عمود الدولة الفقري”، ويضعف هذا العمود حين يُستعان بمصادر خارجية للرقابة المالية أو تُحجب عنها الرؤية.

