«يظهر التاريخ السياسي للصومال أن السلطة لا تنتقل من يد إلى أخرى فحسب، بل تتغير معها قواعد البقاء السياسي». عبد الله صلاد
يمكن فهم المسار السياسي للصومال خلال السنوات الـ35 الماضية من خلال حقيقة متكررة: كلما تغير النظام السياسي، تغير معه نوع السياسي القادر على البقاء داخله.
فالسياسي الذي كان ملائما للبيئة السياسية الصومالية عام 1992 ربما لم يعد ملائما للنظام الذي ظهر في 2012. وبالمثل، لا يستطيع سياسي كان يتمتع بنفوذ كبير في 2012 أن يفترض أن الأساليب السياسية نفسها ستضمن له الحفاظ على موقعه في 2026.
ومن ثم، لم تقتصر الانتخابات في الصومال على استبدال مسؤول بآخر، بل أصبحت، بصورة متزايدة، بمثابة مصفاة تدفع جانبا قطاعات من جيل سياسي أقدم واجه صعوبة في التكيف مع الظروف المتغيرة.
1991: سياسة البندقية
عندما انهارت الحكومة المركزية في الصومال عام 1991، انتقلت السلطة السياسية في أجزاء واسعة من البلاد إلى أيدي الحركات المسلحة وقادة الفصائل والمليشيات التي تنافست على ملء الفراغ السياسي والأمني.
وكان النفوذ السياسي يقاس حينها بمعايير مختلفة عن اليوم: كم عدد المقاتلين الذين يقودهم الزعيم؟ وكم من الأراضي يسيطر عليها؟ وكم من عناصر المليشيات يستطيع حشدهم؟ ومن يستطيع أن يقاتل، ومع من يستطيع التفاوض؟
ومن دون قوة عسكرية، كان من الصعب ضمان مكان مؤثر على طاولة السياسة.
وأفرزت تلك البيئة جيلا تشكل فهمه للسلطة على أساس أن النفوذ العسكري يجب أن يضمن أولا، قبل أن يكون بالإمكان إقامة القوانين والمؤسسات.
ولكن لكل نظام سياسي عمرا.
2000–2012: المفاوضات وقوة العشائر تبدأان في منافسة البندقية
مع ظهور الحكومات الانتقالية في الصومال، ولا سيما الحكومة الفيدرالية الانتقالية التي تأسست عام 2004، بدأت السياسة الصومالية تسلك اتجاها مختلفا.
وظلت الأسلحة مهمة، لكن القوة العسكرية وحدها لم تعد كافية لكي يصبح الشخص رئيسا أو رئيس وزراء أو وزيرا أو عضوا في البرلمان.
وبدأت مهارات سياسية مختلفة تكتسب أهمية متزايدة، من بينها التفاوض والمصالحة وتقاسم السلطة بين العشائر، والعلاقات مع الدول المجاورة، والتعامل مع المجتمع الدولي.
ونجح بعض قادة الفصائل السابقين في التكيف مع هذا التحول. فاستبدلوا البدلات العسكرية بالملابس الرسمية، وحولوا الحركات المسلحة إلى تنظيمات سياسية، واستعاضوا عن المليشيات الخاصة بحلفاء داخل البرلمان وشبكات سياسية.
لكن آخرين أخفقوا في تحقيق هذا الانتقال، وخيروا لعبة البقاء. وكان ذلك بداية شكل من أشكال الانقراض السياسي، لم يحدث بفعل البندقية، وإنما نتيجة ظهور نظام سياسي جديد.
2012: جيل سياسي جديد
شكل عام 2012 نقطة تحول كبرى. فقد اعتمد دستور مؤقت، وأنشئ البرلمان الفيدرالي بغرفتيه، وانتخب البرلمان حسن شيخ محمود رئيسا، لتنتهي بذلك رسميا المرحلة الانتقالية.
لكن التغيير الأكبر لم يكن مجرد هوية الرئيس، بل نوع الشخص القادر على الوصول إلى أعلى مستويات السلطة السياسية.
فقد ظهرت طبقة جديدة ضمت مهنيين متعلمين، وشخصيات من المجتمع المدني، وأفرادا من الشتات، ورجال أعمال، وأشخاصا ليست لديهم سوابق في الحركات المسلحة.
وبدأت القيمة السياسية لعبارة «كنت قائدا لفصيل» في التراجع، مقابل تزايد أهمية القدرة على القول: «أستطيع ضمان دعم البرلمان. أستطيع بناء التحالفات. لدي علاقات محلية ودولية».
وواجه بعض السياسيين الذين دخلوا المعترك السياسي خلال سنوات انهيار الدولة صعوبة في التعامل مع هذه الحقيقة. فقد ظلوا يلعبون في ملعب سياسي قديم، رغم أن قواعد اللعبة تغيرت.
2017 و2022: السياسة تتحول إلى منافسة بين التحالفات
أفرزت العملية الانتخابية في 2016–2017 تحولا آخر. فقد جرى اختيار أعضاء البرلمان بصورة غير مباشرة، وفي 8 فبراير 2017، انتخب البرلمان محمد عبد الله فرماجو رئيسا.
وبات السياسي الناجح بحاجة إلى أكثر من اسم عشائري معروف أو تاريخ سياسي طويل. أصبح يحتاج إلى حملة انتخابية، وموارد مالية، وفريق منظم، ورسالة سياسية، وحضور إعلامي، وقدرة على المناورة داخل التحالفات البرلمانية.

