«عندما تمر وفيات الأطفال التي يمكن الوقاية منها من دون غضب وطني، يصبح الصمت أكثر من مجرد إهمال؛ بل يصبح جزءا من المأساة نفسها». الدكتورة أوباح فرح أحمد
بوصفي طبيبة صومالية تدربت وعملت لسنوات طويلة في إيطاليا، أمضيت جزءا كبيرا من حياتي متنقلة بين عالمين مختلفين للغاية، وطريقتين متباينتين في تقدير قيمة الحياة، والاستجابة للمآسي، وحماية الأطفال. وهذه الاختلافات ليست مجرد أمور نظرية.
فهي تحدد كيفية استجابة المجتمعات للمعاناة، وكيف يتعامل القادة مع حالات الطوارئ، وكيف تفهم المجتمعات مسؤوليتها الجماعية. وفي الآونة الأخيرة، بدا لي هذا التباين بوضوح مؤلم.
في إيطاليا، هيمنت وفاة طفل يبلغ من العمر أربع سنوات، جراء إصابة مشتبه بها بالدفتيريا، على الاهتمام الوطني لأيام. وخصصت الصحف قصصا للواقعة في صفحاتها الأولى، واستضافت البرامج التلفزيونية خبراء لشرح ما الذي حدث على نحو خاطئ.
وأصدرت الجمعيات الطبية بيانات، وطالبت منظمات المجتمع المدني بالمساءلة. وأثار السؤال المحوري: كيف يمكن لمرض يمكن الوقاية منه أن يودي بحياة طفل في بلد يمتلك نظاما صحيا قويا ولقاحات متاحة؟ موجة من التأمل والنقاش على المستوى الوطني.
وبينما كنت أتابع هذه النقاشات، كانت أفكاري تعود مرارا وتكرارا إلى الصومال.
حالة طوارئ صامتة: الأرقام التي لا نناقشها
وفقا لبيانات الأوبئة الصادرة عن وزارة الصحة الفيدرالية، سجل الصومال 3,655 حالة اشتباه بالإصابة بالدفتيريا و143 وفاة خلال عام 2025 وحده. ولا يزال التفشي، الذي بدأ عام 2023، يحصد الأرواح، رغم أن الدفتيريا مرض يمكن الوقاية منه بالكامل عن طريق التطعيم. وليست الدفتيريا التهديد الوحيد، إذ لا تزال الحصبة وغيرها من الأمراض التي يمكن الوقاية منها تنتشر، ما يفرض ضغوطا إضافية على الأسر وعلى نظام صحي هش بالفعل.
هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات. إنها تمثل أطفالا كانت لديهم أحلام، وأسرا كانت لديها آمال، ومستقبلا ما كان ينبغي أن يضيع أبدا. فخلف كل رقم اسم ووجه وقصة انتهت قبل أوانها بكثير.
ومع ذلك، ورغم حجم هذه المأساة، فإنها لم تحظ إلا باهتمام عام محدود: عناوين قليلة، ونقاش ضئيل، وتأمل وطني مستمر يكاد يكون غائبا. ويظهر استمرار هذه الأوبئة في صمت كيف يمكن لتحديات صحية ملحة أن تظل دون الاهتمام الكافي، حتى عندما تستدعي تحركا جماعيا.
إنه صمت يصم الآذان.
في بلد يواجه أزمات عديدة ومتزامنة، يمكن بسهولة شديدة أن تصبح معاناة الأطفال جزءا من نمط أوسع من المعاناة، بدلا من أن تحظى بالاهتمام المركز الذي تستحقه.
ويثير هذا التباين أسئلة غير مريحة لكنها ضرورية: كيف يمكننا ضمان أن تؤدي وفيات الأطفال التي يمكن الوقاية منها إلى إثارة قلق عاجل، وتحرك منسق، ومساءلة أقوى؟ إن الأطفال الصوماليين يستحقون القيمة والحماية والاهتمام نفسها التي يحظى بها الأطفال في أي مكان آخر.
ثقل واقعين مختلفين
من خلال عملي في النظام الصحي الإيطالي، رأيت كيف يمكن للمساءلة العامة أن تنقذ الأرواح. فعندما تقع مأساة، تستجيب المؤسسات. وتحقق وسائل الإعلام. ويناقش المجتمع. وتستخلص الدروس. وتتغير السياسات.
الصومال بحاجة إلى الدورة نفسها.
يتشكل واقع الصومال بفعل عقود من الصراع والهشاشة السياسية ومحدودية الموارد والأزمات الإنسانية المزمنة. وهذه التحديات حقيقية، لكنها لا يمكن أن تبرر الصمت، خصوصا عندما تكون الجدوى الاقتصادية للوقاية واضحة إلى هذا الحد.
فكل دولار واحد يستثمر في تطعيم الأطفال في إفريقيا يحقق فوائد اقتصادية تقدر بنحو 44 دولارا، من خلال خفض تكاليف العلاج، وزيادة الإنتاجية، والوقاية من الإعاقة طويلة الأمد. وقليل من الاستثمارات يحقق مثل هذه العوائد الاستثنائية.
ولا يزال تمويل اللقاحات في الصومال يعتمد بدرجة كبيرة على الدعم الخارجي، ما يجعل البرامج عرضة للتأثر عندما تتغير أولويات الجهات المانحة. ومن شأن الزيادة التدريجية في الاستثمار المحلي أن تعزز الملكية الوطنية وتساعد في ضمان حماية الأطفال على المدى الطويل.
تعزيز جودة حملات التحصين وتوقيتها
نفذ الصومال عدة حملات للتحصين خلال السنوات الأخيرة، ومع ذلك لا يزال كثير من الأطفال غير مطعمين. وعندما تحشد موارد كبيرة ولا يزال بعض الأطفال خارج نطاق التغطية، يصبح من الضروري ألا نبحث فقط في مستويات التمويل، بل أيضا في جودة التنفيذ والتنسيق وآليات المساءلة والالتزام السياسي.
وفي كثير من الحالات، تأتي حملات الاستجابة متأخرة، بعد أن تكون الأوبئة قد انتشرت بالفعل، وبعد أن تكون الأسر قد عانت بالفعل. ومن شأن الكشف المبكر، والتحرك الأسرع، والاستعداد الأقوى أن تقلل الأمراض والوفيات التي يمكن الوقاية منها.
الكلفة البشرية: أكبر من الحرب وغيرها من الكوارث التي يتسبب فيها الإنسان
يفقد الصومال نحو 78 ألف طفل قبل بلوغهم سن الخامسة كل عام. توقفوا عند هذا الرقم. فهذه ليست مجرد إحصائية؛ إنها مأساة وطنية تتكشف في صمت، بلا توقف، ومن دون أن يلحظها أحد إلى حد كبير.

