تحتاج الصومال اليوم، وبشكلٍ عاجل، إلى قيادة رشيدة ورجال دولة حقيقيين، لا إلى حلقة جديدة من الجمود السياسي. ففي الأول من فبراير 2026، سيجلس القادة السياسيون الصوماليون مجددًا إلى طاولة الحوار، حاملين معهم آمالًا طال انتظارها لشعبٍ أنهكه الصراع ويتطلع إلى السلام والاستقرار وبناء دولة فاعلة.
أكتب هذه السطور بصفتي مواطنًا صوماليًا عاديًا، لا دفاعًا عن أي طرف سياسي، بل دفاعًا عن وطنٍ لم يعد يحتمل فشل الحوارات ولا إهدار الفرص.
تقف الصومال اليوم عند مفترق طرق خطير. فقد أصبح الانسداد السياسي أمرًا مألوفًا، في حين بات يُنظر إلى التوافق على أنه ضعف. ويعلمنا التاريخ درسًا بسيطًا لكنه قاسٍ: عندما يرفض القادة تسوية خلافاتهم، يتعطل التقدم الوطني. ولا يمكن لا للحكومة الفيدرالية الصومالية ولا لمجلس مستقبل الصومال الادعاء بالنجاح إذا انتهى هذا الاجتماع دون اتفاق حقيقي.
هذا الحوار لا يتعلق بتمكين طرف على حساب آخر، بل يتصل بسؤال جوهري: هل ستبقى الصومال دولة موحدة تحكمها منظومة دستورية، أم ستنحدر أكثر نحو التفكك؟
لطالما حُكم المشهد السياسي الصومالي بقرارات أحادية، وانعدام الثقة، ومنطقٍ صفري قائم على رابحين وخاسرين. فقد أسهمت تمديدات الولايات دون توافق، والمسارات السياسية الموازية، والتهديدات العلنية، والإنذارات المتبادلة في تقويض ثقة المواطنين. وكان الثمن الذي دفعه الصوماليون باهظًا: انعدام الأمن، وتراجع اقتصادي، وفقدان متزايد للثقة في القيادات.
ومن هنا، يجب أن يشكل الاجتماع المقبل قطيعة حقيقية مع هذه الممارسات الضارة.
أولًا: الالتزام الصريح بالدستور المؤقت
يتعين على جميع الأطراف أن تعلن بوضوح تمسكها بالدستور المؤقت والاحتكام إليه. فالدستور ليس أداة للمساومة ولا ورقة تكتيكية، بل هو الأساس القانوني المشترك للدولة الصومالية. وأي اتفاق يتم خارج هذا الإطار سيكون فاقدًا للشرعية وممهّدًا لصراعات جديدة.
ثانيًا: التخلي عن المواقف المتطرفة والجامدة
لقد كلفت المطالب القصوى و«الخطوط الحمراء» غير القابلة للنقاش الصومال الكثير. فالتوافق ليس استسلامًا، بل هو جوهر المسؤولية الوطنية. وعلى من يدخل الحوار ساعيًا إلى نصر كامل أن يدرك حقيقة أساسية: في بلدٍ منقسم، لا يوجد فائز.
ثالثًا: اعتماد الشفافية في إدارة الحوار
للشعب الصومالي الحق في معرفة ما يُناقش باسمه. فالاتفاقات السرية والمفاوضات الغامضة لا تؤدي إلا إلى تعميق الشكوك وإضعاف الثقة العامة. والاتفاق القابل للاستمرار هو ذلك الذي يفهمه المواطنون ويقبلونه ويدافعون عنه.
أخيرًا: تغليب المسؤولية الوطنية على المكاسب السياسية الآنية
إن السلطة التي تُبنى على الانقسام مؤقتة وهشة، أما السلطة القائمة على التعاون والتوافق والوحدة فهي الأقدر على الصمود.

