«الترجمة العظيمة لا تجعل القارئ يشعر بأنه أمام نص مترجم، بل تمنحه وهما جميلا بأن المؤلف لو كتب بلغته لكتب هكذا.» د. علي محمد صالح
في زمن تتقدم فيه أدوات الذكاء الاصطناعي بخطوات متسارعة، وتتسع قدرتها يوما بعد يوم على معالجة النصوص ونقلها بين اللغات، لم يعد السؤال المطروح أمام المترجم هو: هل تستطيع الآلة أن تترجم؟ فقد تجاوز الواقع هذا السؤال منذ مدة. وإنما أصبح السؤال الأهم والأكثر إلحاحا: ما الذي سيبقى للمترجم الإنسان حين تتولى الآلة جانبا كبيرا من الترجمة النصية التقليدية؟
من هنا أشارك هذا النداء: نحو الترجمة الإبداعية، لا الاكتفاء بالترجمة النصية والكتابية.
فالتحول الذي نشهده اليوم ليس تحولا تقنيا عابرا، بل هو تحول يعيد تشكيل مفهوم الترجمة نفسها، ويجبرنا على إعادة النظر في القيمة التي يقدمها المترجم البشري في عصر تستطيع فيه الآلة أن تنقل نصوصا طويلة في ثوان، وأن تقترح صياغات متعددة، وأن تراجع المصطلحات، وأن تنتج نصا مقبولا لغويا بدرجة كانت، إلى وقت قريب، تحتاج إلى جهد بشري كبير.
ولا يعني ذلك أن الترجمة البشرية قد انتهت، ولا أن الآلة أصبحت بديلا كاملا عن الإنسان. لكن الذي يتعرض بالفعل للتراجع هو ذلك اللون من الترجمة الذي يقتصر على نقل الكلمات والمعاني المباشرة دون إضافة قيمة فكرية أو أسلوبية أو ثقافية ظاهرة.
فإذا كان المترجم لا يفعل أكثر مما تستطيع الآلة أن تفعله، فما الذي يبرر بقاء دوره كما كان؟
هنا تبدأ أهمية الترجمة الإبداعية.
الترجمة الإبداعية ليست خيانة للنص، وليست تفلتا من أمانة النقل، كما أنها لا تعني أن يكتب المترجم ما يشاء ثم ينسبه إلى المؤلف. إنها، في حقيقتها، درجة أعلى من الفهم؛ لأن المترجم لا يكتفي فيها بالسؤال عن معنى الكلمات، بل يسأل عن مقصدها، وسياقها، وإيقاعها، وأثرها، وما تختزنه من حمولة ثقافية ونفسية.
فاللغة ليست قاموسا من المفردات المتجاورة. اللغة ذاكرة، وثقافة، وبيئة، ونبرة، وإيماءة، وتاريخ طويل من الاستعمال. وقد تكون العبارة صحيحة من حيث المعجم، لكنها باردة من حيث الروح، سليمة من جهة النحو، لكنها غريبة عن وجدان اللغة التي نُقلت إليها.
ومن هنا يظهر الفرق الحقيقي بين الترجمة النصية والترجمة الإبداعية.
الترجمة النصية تسعى أولا إلى الإجابة عن سؤال: ماذا قال الكاتب؟ أما الترجمة الإبداعية فتضيف إلى ذلك سؤالا أشد تعقيدا:
ما الذي أراد الكاتب أن يفعله بكلامه في نفس القارئ؟ هل أراد أن يحزنه؟ أن يدهشه؟ أن يثير سخريته؟ أن يستفزه؟ أن يطمئنه؟ أن يتركه أمام جملة لا تنتهي بانتهاء كلماتها؟
هذه كلها معان لا توجد في المعاجم وحدها. ولهذا فإن المترجم المبدع لا يحمل الكلمات من ضفة إلى ضفة، وإنما يحمل التجربة ذاتها.
ويمكن تقريب ذلك بمثال بسيط. تقول العبارة الإنجليزية:
“He carried the weight of the world on his shoulders.”
يمكن أن ننقلها نقلا مباشرا فنقول: «كان يحمل على كتفيه أعباء ثقيلة، كأنها أعباء العالم كله».
وهي ترجمة مفهومة وسليمة. لكن المترجم الذي يبحث عن الأثر، لا عن المعنى المجرد وحده، قد يقول: «كان يمضي مثقل الروح، كأن هموم الدنيا كلها قد ألقت رحالها على كتفيه».
في الترجمة الأولى وصل المعنى.
وفي الثانية حاولت الصورة أن تصل معه.
وهنا تكمن المسافة بين أن تنقل عبارة وبين أن تعيد خلقها داخل لغة أخرى.
وليس المقصود بهذا الانتقاص من شأن الترجمة الدقيقة أو الأكاديمية؛ فهي تظل ضرورية في مجالات لا تحتمل التوسع الحر، كالعقود، والقوانين، والبحوث العلمية، والنصوص المتخصصة، والدراسات الدينية، وسائر المواطن التي يكون فيها الضبط مقدما على الجمال الأسلوبي.
لكن حتى هذه المجالات لم تعد في مأمن من التحول؛ لأن الآلة أصبحت أكثر قدرة على معالجة المصطلحات والقوالب المتكررة والنصوص الوظيفية. ومن ثم فإن قيمة المترجم البشري ستزداد كلما انتقل من مجرد النقل إلى الفهم، ومن مجرد المطابقة إلى التحليل، ومن مجرد استبدال الألفاظ إلى اتخاذ قرارات لغوية وثقافية واعية.
لقد أصبحت المنافسة في السرعة غير مجدية.

