لأكثر من ثلاثين عامًا، ظلّ الصوماليون يطرحون السؤال نفسه بإلحاح وألم: من الذي أوصل الدولة إلى هذا المصير؟
غالبًا ما تُقدَّم الإجابات بدافع العاطفة أو وفق اصطفافات قبلية وسياسية، أو استنادًا إلى تجارب شخصية وانتقائية. غير أن الإجابة الصادقة على هذا السؤال لم تعد ترفًا فكريًا، بل ضرورة وطنية إذا أراد الصومال أن يتجاوز ماضيه ويتعلم من أخطائه، لا ليعيد فتح الجراح، بل ليستخلص العبر.
الحقيقة، وإن كانت قاسية، أن فشل الدولة الصومالية لم يكن نتاج شخص واحد، أو جماعة بعينها، أو لحظة تاريخية مفصلية، بل حصيلة تراكم طويل من الإخفاقات في القيادة، وضعف المؤسسات، واختلال الثقافة السياسية، وغياب الإحساس بالمسؤولية الجماعية.
عقب الاستقلال، عاش الصومال سنوات واعدة مليئة بالطموح والأمل، غير أن تلك الفرصة بدأت تتآكل تدريجيًا حين قدّمت النخب السياسية التنافس القبلي على بناء دولة وطنية جامعة. الفساد، والمحسوبية، والمساومات السياسية قصيرة الأجل أضعفت مؤسسات لم تكتمل بنيتها بعد. وُجدت الديمقراطية شكليًا، لكنها افتقرت إلى الانضباط والممارسة الرشيدة، ما مهّد الطريق لانهيارات أعمق لاحقًا.
يتحمّل النظام العسكري الذي استولى على السلطة عام 1969 قسطًا أوفر من المسؤولية. فبإلغائه النظام الدستوري وتركيزه السلطة في يد فئة ضيقة، تم تفكيك آليات التوازن والمساءلة. ومع مرور الوقت، حلّ القمع محل الحوار، والخوف محل الثقة، وأصبح الولاء للأشخاص بديلاً عن الولاء للدولة. وعندما انهار النظام عام 1991، لم يترك خلفه مؤسسات قادرة على إدارة انتقال منظم، بل خلّف دولة منهكة، وسلاحًا منتشرًا، ومجتمعًا مثقلًا بالمظالم.
لم يكن ما تلا ذلك تحررًا، بل تفككًا شاملًا. حوّلت الفصائل المسلحة وأمراء الحرب المدن إلى ساحات صراع، والممتلكات العامة إلى غنائم خاصة. وبدل الانخراط في مشروع وطني لإعادة بناء الدولة، انشغلوا ببناء نفوذ شخصي قائم على العنف واستغلال المساعدات الإنسانية. لم تتعثر المصالحة لأنها مستحيلة، بل لأنها كانت تهدد مصالح من استفادوا من استمرار الفوضى.
كما تتحمل القيادات العشائرية والوسطاء السياسيون نصيبًا مهمًا من المسؤولية. فبدل توظيف الأعراف والتقاليد في رأب الصدع وتعزيز السلم الاجتماعي، سُمِح بتحويل الهوية القبلية إلى أداة صراع. جرى التستر على الجريمة باسم القرابة، وتقديم الولاء على الكفاءة، ما أضعف مفهوم المواطنة لصالح انتماءات دون-وطنية. ولا يمكن لمجتمع أن يبني دولة حين يصبح الانتماء أهم من القانون.
منذ مطلع الألفية الجديدة، عاد الصومال إلى واجهة النظام الدولي عبر حكومات معترف بها وإطار فيدرالي كان يُفترض أن يمنع عودة الاستبداد. غير أن كثيرًا من النخب التي تصدرت المشهد تعاملت مع المنصب العام كفرصة للربح السياسي أو الاقتصادي، لا كأمانة ومسؤولية. ظلت المؤسسات ضعيفة، واستمر الفساد، وغابت المحاسبة، وجرى الخلط بين البقاء في السلطة وبناء الدولة، مع الاعتماد المفرط على الدعم الخارجي بدل ترسيخ الشرعية الداخلية.
في هذا السياق، أسهمت الولايات الأعضاء في النظام الفيدرالي بدورها في تعقيد الأزمة. فالفيدرالية وُضعت لإدارة التنوع، ولا مركزية السلطة، وتعزيز الشمول، لكنها طُبّقت في كثير من الأحيان دون وضوح دستوري أو إرادة تعاونية. تصرّف بعض قادة الولايات كأنهم رؤساء كيانات مستقلة، لا شركاء في دولة واحدة، من خلال دبلوماسية موازية، وترتيبات أمنية منفصلة، وسيطرة أحادية على الموارد، ما أضعف التماسك الوطني وأربك السلطة الاتحادية.
وبدل تحسين الحكم المحلي، أعادت عدة إدارات إقليمية إنتاج الإخفاقات ذاتها الموجودة في المركز: محاباة قبلية، ضعف في المساءلة، انتخابات مؤجلة أو مُدارة، وتضييق على التنافس السياسي. وهكذا تحولت الفيدرالية، بدل أن تكون أداة تصحيح، إلى إطار مؤسسي للانقسام. وأصبحت الخلافات بين المركز والولايات حول تقاسم الصلاحيات، والأمن، والدستور خلافات مزمنة عطلت الإصلاح وأضعفت ثقة المواطنين.
لم تكن الولايات الأعضاء سبب انهيار الدولة، لكنها، في مراحل لاحقة، عمّقت الانقسام بدل معالجته. ولا يمكن لأي نظام فيدرالي أن ينجح حين تُفهم الاستقلالية على أنها انعزال، وحين يتحول الخلاف السياسي إلى أداة تعطيل. الفيدرالية الفاعلة تقوم على احترام الدستور، وضبط المصالح، وتحمل المسؤولية المشتركة عن بقاء الدولة.
كما لا يمكن إعفاء الأطراف الخارجية من المسؤولية. فقد ساهمت سياسات الحرب الباردة في عسكرة الصومال وتشويه مساره التنموي. كما أن تدخلات إقليمية ودولية قدّمت مصالحها الأمنية على سيادة الصومال. وفي كثير من الأحيان، دعم المجتمع الدولي ترتيبات سياسية هشة باسم الاستقرار، رغم افتقارها للقبول الشعبي. أبقت المساعدات المؤسسات قائمة، لكنها في الوقت ذاته أضعفت مساءلتها وأجّلت إصلاحات ضرورية.

