”الانتماء الذي يصمد أمام الهزيمة هو وحده الذي يستحق أن يسمى انتماءً، أما غيره فليس سوى إعجاب عابر.“ -- عبد الرحمن غوري كلما تأملت سلوك الجماهير ازددت يقيناً بأن عقلية القطيع ليست مجرد نظرية في كتب علم النفس، بل حقيقة يومية تتجلى أمامنا بوضوح. فالإنسان لا يسير دائماً خلف قناعاته، بل كثيراً ما ينقاد إلى الاتجاه الذي تسلكه الجموع، حتى وإن لم يكن مقتنعاً به تمام الاقتناع. وما إن يرى الأغلبية تسير في طريق حتى يشعر، من حيث يدري أو لا يدري، بأن عليه أن يسير معها، خشية أن يبدو مختلفاً أو معزولاً. وربما لهذا السبب يصبح صوت الجماعة في أحيان كثيرة أعلى من صوت العقل، ويصبح الانتماء إلى الأكثرية أسهل من الدفاع عن قناعة شخصية قد لا تجد من يشاركها.وقد تجسد هذا المعنى في ذهني وأنا أتابع نهائي كأس العالم. ففي شوارع مقديشو كان كثير من الشبان يرتدون قمصان الأرجنتين، يهتفون باسم ميسي، ويتحدثون بثقة عن قرب تتويج التانغو، حتى إن بعضهم كان يتصرف وكأن الكأس قد حُسمت قبل أن يطلق الحكم صافرة النهاية. غير أن المشهد تبدل في لحظة. فما إن سجلت إسبانيا هدف الفوز في الوقت الإضافي، وأطلق الحكم صافرة النهاية، حتى اختفت قمصان الأرجنتين وظهرت قمصان إسبانيا، وعمت الاحتفالات بالماتادور، وكأن شيئاً لم يحدث، وكأن المشجع نفسه الذي كان قبل دقائق يردد اسم ميسي أصبح الآن يرفع علم إسبانيا ويهتف باسم أبطالها.المشهد لم يكن مضحكاً بقدر ما كان كاشفاً. لقد كشف عن استعداد بعض الناس لتبديل انتماءاتهم بمجرد تبدل النتائج. لم تتغير المباراة إلا بهدف واحد، لكن كثيراً من القناعات تبدلت في دقائق معدودة. وهنا يتضح أن المسألة لا تتعلق بكرة القدم بقدر ما تتعلق بطبيعة الإنسان الذي يربط انتماءه دائماً بالطرف المنتصر. فالانتصار يجذب الأنظار، بينما يفر كثيرون من الخسارة وكأنها وصمة عار لا مجرد نتيجة رياضية. ولهذا يكثر أنصار المنتصر بعد كل فوز، بينما يقل رفاق الخاسر، حتى وإن كانوا بالأمس القريب يملؤون المدرجات.ولعل ما يثير الاستغراب أن بعض هؤلاء لا يكتفي بتغيير موقفه، بل يحاول أن يقنع الآخرين بأنه كان منذ البداية مع الفريق الفائز. وكأن الذاكرة الجماعية قصيرة إلى درجة تسمح بإعادة كتابة المواقف خلال دقائق. بالأمس كان يرفع شعاراً، واليوم يرفع نقيضه، وغداً قد يفعل الشيء نفسه إذا تغيرت النتائج مرة أخرى. إنها حالة من الانتماء المؤقت الذي لا تحكمه المبادئ، بل تحكمه لوحة النتيجة.ومن هذا المنطلق لم أستوعب يوماً فكرة الانتقال من فريق إلى آخر مع كل بطولة. فقد أدركت أن التشجيع الحقيقي يُختبر في لحظات الانكسار لا في لحظات التتويج. كنت ولا أزال أشجع السيدة العجوز، وبقيت وفياً ليوفنتوس حتى في أصعب محنه حين هبط إلى دوري الدرجة الثانية صيف 2006، فيما اعتبره كثيرون مؤامرة.ولم يخطر ببالي أن أبحث عن نادٍ أكثر فوزاً أو أكثر حضوراً على منصات التتويج. وعلى صعيد المنتخبات ظللت مشجعاً للآتزوري منذ عام 1982، ورغم غيابه عن كأس العالم ثلاث نسخ متتالية، لم أفكر يوماً في تغيير انتمائي، لأن الوفاء لا يُقاس بعدد الكؤوس، بل بقدرة الإنسان على البقاء مع من يحب حين تتعثر الخطى قبل أن تعود إلى الانتصارات.وقد يقول قائل إن الرياضة مجرد لعبة، وإن تغيير الفريق الذي نشجعه لا يستحق كل هذا الاهتمام. وربما يكون ذلك صحيحاً إذا نظرنا إلى كرة القدم باعتبارها تسعين دقيقة فوق المستطيل الأخضر، لكنه يصبح أقل صحة عندما ندرك أن الرياضة تكشف كثيراً من الطباع الإنسانية. فهي مرآة تعكس الصبر، والانفعال، والوفاء، والانتهازية، والقدرة على تحمل الخسارة، واحترام المنافس. ولذلك فإن طريقة تشجيع الإنسان لفريقه قد تقول عنه أحياناً أكثر مما يقوله هو عن نفسه.ولا تقف هذه الظاهرة عند حدود الرياضة، بل تمتد إلى السياسة والاقتصاد ووسائل التواصل الاجتماعي. ففي السياسة يصفق البعض لكل من يصل إلى السلطة، ثم لا يتردد في الانقلاب عليه عندما تتغير موازين القوى. وفي الاقتصاد يندفع كثيرون نحو المشروع الذي يتحدث عنه الجميع، لا لأنه الأفضل، بل لأنه الأكثر رواجاً. أما في وسائل التواصل الاجتماعي، فقد أصبحت قيمة الفكرة عند البعض تقاس بعدد الإعجابات والمشاركات، لا بقوة الحجة أو عمق المضمون. وكأن الحقيقة نفسها أصبحت تحتاج إلى تصويت، لا إلى برهان.ولعل أخطر ما في هذه العقلية أنها تقتل الاستقلال في التفكير. فالإنسان الذي يعتاد السير خلف الجموع يفقد مع الوقت شجاعة اتخاذ موقف مختلف، حتى لو كان مقتنعاً به. ويصبح السؤال الذي يحكم قراراته ليس: “ما الصحيح؟”، بل: “ماذا يفعل الآخرون؟”. وعندما يصل المجتمع إلى هذه المرحلة، يصبح من السهل توجيه الرأي العام، لأن كثيرين لا يبحثون عن الحقيقة بقدر ما يبحثون عن الاتجاه الغالب.إن التاريخ نفسه يعلمنا أن معظم الأفكار الكبرى لم تبدأ مع الأغلبية، بل بدأت مع أفراد امتلكوا الشجاعة ليقولوا ما يؤمنون به، حتى عندما كانوا أقلية. ولو أن الجميع ظلوا أسرى لعقلية القطيع، لما تغيرت المجتمعات، ولا تقدمت الأمم، ولا انتصرت الأفكار الجديدة. فالتاريخ يصنعه أصحاب القناعات، لا أصحاب المواقف المؤقتة.وهكذا فإن صافرة النهاية لا تعلن فقط عن الفريق الفائز، بل تكشف أيضاً عن معدن المشجع. فهناك من يظل وفياً مهما تبدلت النتائج، وهناك من يبدل قميصه مع كل انتصار، ويغير انتماءه مع كل كأس، ويبحث دائماً عن مكان تحت أضواء الفائزين. أما أولئك الذين يظلون أوفياء رغم الخسارة، فهم الذين يمنحون التشجيع معناه الحقيقي، لأن الوفاء لا يظهر حين تكثر الانتصارات، بل حين تقل. فالانتماء الذي يصمد أمام الهزيمة هو وحده الذي يستحق أن يسمى انتماءً، أما الذي يتغير مع كل نتيجة، فليس أكثر من إعجاب عابر يرتدي ثوب الوفاء. وهؤلاء، في نظري، هم حقاً مشجعو آخر الزمن.———* عبد الرحمن محمد غوري كاتب ومحلل صومالي متخصص في شؤون الشرق الأوسط والجغرافيا السياسية الإقليمية. يكتب عن السياسة والفن والفلسفة.Email: gure57@gmail.com** الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن رأي الكاتب، ولا تعكس بالضرورة وجه...