«كلما كان الصومال موحداً ومتماسكاً، كان أقدر على حماية مصالحه، وكلما ازداد انقساماً، أصبح أكثر عرضة لأن تتحول موارده إلى أوراق بيد الآخرين»
لا تمثل وحدة الصومال وسيادته قضية داخلية تخص الصوماليين وحدهم، بل ترتبط بصورة مباشرة بأمن واستقرار منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر والمحيط الهندي. فالموقع الجيوسياسي للصومال، وساحله الممتد لأكثر من ثلاثة آلاف كيلومتر، وقربه من خليج عدن وباب المندب، يجعل استقراره ووحدة أراضيه جزءاً مهماً من معادلة الأمن الإقليمي والدولي، وأمراً لا ينبغي التفريط فيه.
وتأتي أهمية الوحدة في مرحلة دقيقة يمر بها الصومال والمنطقة، وسط تحولات إقليمية ودولية متسارعة، وتنافس متزايد على النفوذ والموارد والمواقع الاستراتيجية. وهي مرحلة تتطلب مسؤولية وطنية من جميع الأطراف السياسية، وإدراكاً بأن التشرذم والانقسام لا يجلبان القوة، بل يؤديان إلى مزيد من الضعف، ويمنحان المتربصين بالصومال فرصاً لاستغلال خلافاته والنيل من مصالحه وسيادته ووحدة أراضيه.
نحن نعيش في عالم تسعى فيه حتى الدول القوية والمكتفية ذاتياً إلى الحصول على الحلفاء والشركاء لمواجهة خصومها وحماية مصالحها. وإذا كان الأقوياء أنفسهم يحتاجون إلى التحالف والتعاون، فإن الصوماليين أحوج إلى الوحدة والتكاتف وتغليب المصلحة الوطنية على المصالح السياسية والشخصية الضيقة.
فلم تعد الدولة، مهما امتلكت من موارد أو قوة عسكرية واقتصادية، قادرة على مواجهة التحديات الدولية منفردة. ولهذا تتشكل التحالفات السياسية والاقتصادية والدفاعية، وتبحث الدول باستمرار عن دوائر أوسع للتعاون وحماية مصالحها. ومن غير المنطقي، في مثل هذا العالم، أن يسير الصوماليون في الاتجاه المعاكس، وأن ينظر بعضهم إلى الانقسام باعتباره طريقاً إلى القوة أو الاستقرار، بينما تثبت التجارب من حولنا أن الدول تكون أكثر قدرة على حماية مصالحها كلما كانت أكثر وحدة تماسكاً من الداخل.
كما أننا في مرحلة تتجه فيها الدول والشعوب ذات القواسم والمصالح المشتركة إلى البحث عما يجمعها أكثر مما يفرقها. والصوماليون، بما يجمعهم من وطن وعرق ولغة وثقافة وتاريخ ومصير مشترك، أولى بذلك. فالإقليم أو الطرف الصومالي الذي يتصور أنه يستطيع بمفرده، بعيداً عن بقية أبناء وطنه، تحقيق أهداف استراتيجية دائمة أو الحصول على مكاسب لا تشمل الآخرين، قد يكتشف في النهاية أن التحالفات والمصالح الخارجية متغيرة، وأن الضمان الحقيقي والدائم يكمن في قوة الوطن ووحدته وتماسكه.
فمصالح الدول ليست ثابتة، والتحالفات التي تبدو اليوم راسخة قد تتغير غداً عندما تتغير الحسابات والظروف. أما الجغرافيا فلا تتغير، والانتماء إلى وطن واحد لا يمكن التعامل معه بمنطق الصفقات السياسية المؤقتة. ولهذا فإن أي مكاسب قصيرة الأجل تتحقق على حساب وحدة البلاد قد تحمل في داخلها مخاطر أكبر على المدى البعيد، لأن الطرف الخارجي يتعامل أولاً مع مصالحه، وليس بالضرورة مع تطلعات الطرف المحلي أو مستقبله.
وتزداد أهمية هذه الحقيقة بالنظر إلى الموقع الاستراتيجي للصومال عند نقطة التقاء إفريقيا بشبه الجزيرة العربية، وعلى مقربة من أحد أهم طرق التجارة البحرية التي تربط المحيط الهندي بالبحر الأحمر وقناة السويس والبحر المتوسط. ولذلك فإن وجود دولة صومالية موحدة وقادرة على ممارسة سيادتها على أراضيها ومياهها يعزز أمن الملاحة البحرية، ويسهم في الحد من القرصنة والتهريب والجريمة المنظمة والتهديدات العابرة للحدود.
وهنا تتجاوز قضية وحدة الصومال حدود السياسة الداخلية لتصبح جزءاً من معادلة أمن البحر الأحمر وخليج عدن. فكل ضعف في سلطة الدولة على سواحلها أو أراضيها يمكن أن يخلق فراغاً تستفيد منه شبكات الجريمة أو الجماعات الإرهابية أو القوى التي تبحث عن موطئ قدم في هذه المنطقة الاستراتيجية. وعلى العكس من ذلك، فإن صومالاً مستقراً وموحداً وقادراً على إدارة حدوده وسواحله وموارده يمثل عاملاً مساعداً للاستقرار الإقليمي وحماية واحد من أكثر الممرات البحرية أهمية في العالم.
وعلى مستوى القرن الإفريقي، تمثل وحدة الصومال عاملاً مهماً في الحفاظ على التوازن والاستقرار الإقليمي. فالمنطقة تعاني أصلاً من نزاعات سياسية وحدودية وتنافس على الموانئ والمنافذ البحرية، إلى جانب صراعات داخلية وتدخلات خارجية متعددة. وأي مساس بوحدة الأراضي الصومالية يمكن أن يضيف مصدراً جديداً للتوتر، ويفتح المجال أمام تدخلات وتنافسات خارجية قد تجعل الصومال ساحة لصراع النفوذ بدلاً من أن يكون شريكاً في تحقيق الاستقرار والتنمية.
كما أن خطورة الانقسام لا تتوقف عند الحدود الصومالية. ففي منطقة مترابطة اجتماعياً وسياسياً وأمنياً مثل القرن الإفريقي، يمكن لأي تغيير في الحدود أو موازين القوى أن تكون له تداعيات تتجاوز الدولة المعنية. وقد يشجع ذلك نزاعات أخرى، أو يثير حسابات جديدة مرتبطة بالحدود والهويات والموانئ والموارد، في وقت تحتاج فيه المنطقة إلى تخفيف أسباب الصراع، لا إضافة أسباب جديدة إليها.

