«علاج ضعف العربية والتربية الإسلامية يتطلب بناء المهارات منذ المراحل الأولى، وإعادة اللغة إلى الحياة المدرسية، لا زيادة الحفظ فقط» محمد نور عَغي
تكشف نتائج امتحانات الشهادة الإعدادية والثانوية العامة في إقليم بنادر عن ظاهرة تعليمية تستحق التوقف عندها بجدية: تراجع مستمر في تحصيل الطلاب في مادتي اللغة العربية والتربية الإسلامية، مقابل أداء أكثر استقرارا أو تقدما في المواد العلمية والتطبيقية واللغة الإنجليزية.
ولا ينبغي النظر إلى هذا التراجع باعتباره كبوة امتحانية عابرة مرتبطة بعام دراسي معين، بل باعتباره مؤشرا على تحديات تراكمت عبر مراحل التعليم المختلفة. وتزداد خطورة المشكلة بالنظر إلى المكانة التي تحتلها المادتان في البناء المعرفي والثقافي والهوية الدينية والقومية للمجتمع الصومالي.
فجوة تتسع من عام إلى آخر
تظهر المشكلة بوضوح في ضعف قدرات الطلاب في النحو والصرف والتعبير والإملاء والنصوص الأدبية والقراءة والفهم. فهناك طلاب يصلون إلى المراحل المتقدمة وهم غير قادرين على صياغة جمل سليمة ومتسقة، أو يعانون فقرا في الحصيلة اللغوية، فضلا عن استمرار أخطاء إملائية ونحوية وصرفية كان يفترض تجاوزها في المراحل الأولى من التعليم.
ولا تتوقف المشكلة عند الكتابة. فالقراءة نفسها تتحول في كثير من الأحيان إلى قراءة حرفية سطحية، مع ضعف القدرة على تحليل الأفكار واستنباط الدلالات. والمفارقة أن الطالب الذي يستطيع التعامل مع القوانين العلمية والمسائل الرياضية ذات الخطوات المنطقية قد يجد صعوبة في تحليل نص أدبي أو استخراج صورة بلاغية أو فهم المقاصد الشرعية للآيات والأحاديث.
ويضاف إلى ذلك تفاوت واضح في اهتمام الطلاب بالمواد الدراسية. فكثير منهم يخصصون وقتا وجهدا أكبر للعلوم والرياضيات واللغة الإنجليزية، انطلاقا من الاعتقاد بأنها أكثر ارتباطا بالقبول الجامعي وسوق العمل، بينما تتراجع العربية والتربية الإسلامية إلى مرتبة ثانوية، وربما لا تحظيان بالاهتمام إلا في الأيام الأخيرة التي تسبق الامتحانات.
المشكلة تبدأ قبل المرحلة الثانوية
جذور الأزمة لا تبدأ في قاعة امتحان الشهادة الثانوية، وإنما قبل ذلك بسنوات. فالطالب الذي لم يتقن في المرحلة الابتدائية مهارات القراءة والكتابة والإملاء ينتقل من صف إلى آخر وهو يحمل معه الفجوة نفسها. ومع ازدياد تعقيد المناهج تتحول الثغرات الصغيرة إلى عجز تراكمي يصعب علاجه داخل الحصص الدراسية المعتادة.
وتتفاقم المشكلة أحيانا بسبب الخوف من الوقوع في الأخطاء اللغوية. فأساليب التصحيح القاسية أو المحرجة قد تجعل الطالب يخشى الكتابة أو المشاركة الشفوية، فينسحب تدريجيا من التفاعل داخل الفصل، ويحرم نفسه بذلك من أهم وسائل تعلم اللغة: الممارسة والتعلم من الخطأ.
كما أن تراجع دور الكتاتيب والحلقات القرآنية التقليدية أسهم في اتساع الفجوة. فقد كانت هذه المؤسسات تؤدي تاريخيا دورا مهما في ضبط مخارج الحروف وتثبيت الأصول الإملائية وتزويد الناشئة برصيد لغوي يساعدهم لاحقا في التعليم النظامي.
وإلى جانب ذلك، تتراجع عادة القراءة الحرة بين الطلاب. والمطالعة خارج الكتاب المدرسي ليست نشاطا ترفيهيا، بل وسيلة أساسية لتوسيع المفردات وتعميق الفهم وصقل القدرة على التعبير. وحين تغيب القراءة، تصبح حصيلة الطالب اللغوية مرتبطة بما يسمعه داخل الفصل فقط.
مناهج تحتاج إلى الحياة
جزء آخر من المشكلة يوجد داخل الفصل نفسه. فما زالت بعض طرائق تدريس العربية والتربية الإسلامية تعتمد على نموذج المعلم المتكلم والطالب المستمع، وعلى الحفظ والتكرار أكثر من التفكير والتحليل والتطبيق.
كما تقدم قواعد النحو والبلاغة وأحكام الفقه أحيانا في صورة قواعد جافة ومحفوظات معقدة، منفصلة عن الحياة اليومية للطالب، وهو ما يولد لديه شعورا بصعوبة المادة أو عدم جدواها.
وتظهر فجوة أخرى بين أساليب الاختبارات اليومية في بعض المدارس وبين طبيعة الامتحانات العامة. فالطالب الذي اعتاد طوال العام على الاختيار من متعدد والأسئلة السهلة القائمة على الحفظ قد يجد نفسه فجأة أمام امتحان يتطلب الشرح والتحليل والتعبير، فيتعثر رغم أنه ربما كان يحصل على درجات جيدة في الاختبارات المدرسية.
المعلم جزء أساسي من المعادلة
لا يمكن الحديث عن تحصيل الطالب بمعزل عن المعلم. فضعف التأهيل التربوي ينعكس مباشرة على قدرة المدرس على تبسيط المفاهيم، وتنويع طرق التدريس، وقياس مستويات الفهم، وتشخيص نقاط الضعف قبل تراكمها.

