«الدول لا تُقاس بوضع حكوماتها المؤقتة، بل بشرعيتها القانونية التي تبقى ثابتة مهما تبدلت الظروف السياسية وتغيرت موازين القوى.» — عبد الرحمن محمد غوري
كلما عاد النقاش حول مستقبل الصومال، برز السؤال نفسه: هل أصبحت وحدة الدولة قضية سياسية قابلة للتفاوض، أم أنها ما تزال تمثل أحد الثوابت التي لا يجوز التفريط فيها مهما تبدلت الظروف وتغيرت موازين القوى؟
وللوهلة الأولى قد يبدو السؤال سياسيًا، غير أن جوهره قانوني قبل أي شيء آخر. فالدول لا تستمد شرعيتها من الحكومات التي تتعاقب على إدارتها، ولا من موازين القوة التي تتغير مع مرور الزمن، وإنما ترتكز إلى الأساس القانوني الذي نشأت عليه، وإلى الاعتراف الدولي الذي أقر كيانها ورسم حدودها.
ومن هذا المنطلق، فإن الحديث عن وحدة الأراضي الصومالية لا يتعلق بخلاف سياسي عابر، بقدر ما يرتبط بالركيزة القانونية التي قامت عليها جمهورية الصومال منذ استقلالها.
وليس من قبيل المصادفة أن يبقى هذا المبدأ حاضرًا في جميع المواقف الدولية المتعلقة بالصومال، رغم ما شهدته البلاد من تحولات عميقة خلال العقود الماضية. فقد مرت الدولة بحروب أهلية، وانهيار شبه كامل لمؤسساتها، وأزمات سياسية وأمنية متلاحقة، وتعاقبت عليها حكومات متعددة ذات توجهات مختلفة، لكن الاعتراف بجمهورية الصومال دولةً واحدةً ذات سيادة كاملة داخل حدودها المعترف بها دوليًا لم يتغير، ولم يصبح في أي مرحلة محل مراجعة من المجتمع الدولي.
وعندما توحد إقليما الصومال البريطاني والصومال الإيطالي في الأول من يوليو عام 1960، لم ينشأ كيان سياسي مؤقت يمكن إعادة النظر فيه مع تغير الظروف، وإنما تأسست دولة مكتملة الأركان وفق قواعد القانون الدولي، حظيت باعتراف الدول الأخرى، وانضمت إلى الأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية، واكتسبت منذ ذلك التاريخ شخصيتها القانونية المستقلة في العلاقات الدولية.
وكان هذا الاعتراف موجهًا إلى الدولة ذاتها، لا إلى حكومة بعينها، وهو ما يفسر احتفاظ الصومال بهذه الشخصية القانونية رغم جميع الأزمات التي مر بها لاحقًا.
وتكتسب هذه الحقيقة أهمية خاصة لأن القانون الدولي لا يربط استمرار وجود الدول بقوة مؤسساتها أو بدرجة استقرارها الداخلي. ولو كان الأمر كذلك، لاختفت دول كثيرة من الخريطة السياسية كلما واجهت حربًا أهلية أو أزمة دستورية أو انهيارًا مؤقتًا في مؤسساتها.
إلا أن النظام الدولي يقوم على قاعدة أكثر رسوخًا، مفادها أن الدولة تستمر بوصفها شخصًا قانونيًا حتى عندما تمر مؤسساتها بمرحلة ضعف أو اضطراب، لأن الشخصية القانونية للدولة لا تزول بمجرد تبدل الظروف السياسية.
ومن هنا يمكن فهم السبب الذي جعل المجتمع الدولي يواصل التعامل مع الصومال باعتباره دولة واحدة، حتى في أصعب المراحل التي شهدت غياب السلطة المركزية. فلم يتغير مقعد الصومال في الأمم المتحدة، ولم يُسحب الاعتراف بالدولة، ولم تُعامل البلاد باعتبارها مجموعة كيانات منفصلة، بل ظل الإجماع الدولي قائمًا على أن الأزمة تتعلق بمؤسسات الدولة وآليات إدارتها، لا بوجود الدولة نفسها.
ولهذا احتل مبدأ وحدة الأراضي مكانة مركزية في ميثاق الأمم المتحدة، الذي جعل احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها من القواعد الأساسية المنظمة للعلاقات الدولية. ثم جاء الاتحاد الإفريقي ليعزز هذا النهج عندما تبنى منذ تأسيسه سياسة احترام الحدود القائمة عند الاستقلال، إدراكًا منه أن إعادة فتح ملف الحدود في القارة لن تقود إلا إلى نزاعات لا تنتهي، في قارة ما تزال تحمل آثار التقسيمات الاستعمارية وتعقيداتها التاريخية.
ولم يكن هذا الموقف مجرد خيار سياسي، بل أصبح أحد المبادئ التي حافظت على قدر من الاستقرار القانوني في إفريقيا. فلو أصبح تعديل الحدود أو إعادة رسمها أمرًا متاحًا كلما ظهرت أزمة سياسية أو مطالبة محلية، لتحولت القارة إلى ساحة مفتوحة لصراعات لا تنتهي، ولأصبح استقرار الدول مرهونًا بالتحولات السياسية الآنية، لا بالقواعد القانونية المستقرة.
ولا يشكل الصومال استثناءً من هذه القاعدة، بل يقدم أحد أوضح تطبيقاتها. فجميع المبادرات الدولية والإقليمية الخاصة بالشأن الصومالي انطلقت من الاعتراف بالحكومة الفيدرالية ممثلًا شرعيًا للدولة الصومالية، ومن التأكيد المتكرر على سيادتها ووحدة أراضيها.
ولم تعتبر الأمم المتحدة، ولا الاتحاد الإفريقي، ولا جامعة الدول العربية، ولا منظمة التعاون الإسلامي، هذا المبدأ موضع تفاوض أو مساومة، بل ظل نقطة الانطلاق لأي جهد سياسي أو دبلوماسي يتعلق بالصومال.
وفي المقابل، فإن التمسك بوحدة الدولة لا يعني تجاهل التحديات السياسية التي تواجهها. فالصومال ما زال يعمل على ترسيخ نموذج أكثر كفاءة لإدارة التنوع، وتوزيع الصلاحيات بين مؤسسات الحكم، وبناء أجهزة قادرة على أداء وظائفها بكفاءة وشفافية. وهذه أهداف مشروعة تستحق الحوار والعمل، لكنها تختلف جوهريًا عن التشكيك في وجود الدولة أو في حدودها المعترف بها. فالفيدرالية، في جوهرها، تنظم العلاقة بين السلطات داخل الدولة الواحدة، أما السيادة فلا تقبل الانقسام، لأنها تمثل الإطار القانوني الذي تنتظم داخله جميع المؤسسات الدستورية.
ومن هنا، يصبح من الضروري التمييز بين الخلافات السياسية الطبيعية، التي تعرفها جميع الأنظمة الديمقراطية، وبين المبادئ القانونية التي يقوم عليها وجود الدولة. فالخلاف حول توزيع السلطات، أو شكل النظام الإداري، أو طبيعة العلاقة بين الحكومة الفيدرالية والولايات، يظل جزءًا من العملية السياسية، ويمكن معالجته بالحوار والتشريع والتوافق. أما وحدة الدولة، فهي ليست موضوعًا للمساومة السياسية، لأنها تمثل الأساس الذي تستند إليه تلك العملية برمتها.
ويستند بعض الطرح السياسي إلى مفهوم حق تقرير المصير باعتباره مدخلًا لإعادة النظر في الحدود القائمة، غير أن التطبيق العملي للقانون الدولي يقدم صورة أكثر دقة وتعقيدًا. فقد ارتبط هذا الحق أساسًا بمرحلة إنهاء الاستعمار، عندما كانت الشعوب الواقعة تحت السيطرة الأجنبية تسعى إلى إقامة دولها المستقلة.
وبعد اكتمال موجة الاستقلال، أصبح احترام وحدة أراضي الدول القائمة هو القاعدة العامة التي تحكم العلاقات الدولية، بينما ظلت حالات الانفصال استثناءات محدودة ارتبطت بظروف قانونية وسياسية وإنسانية خاصة، ولم تتحول يومًا إلى قاعدة عامة يمكن القياس عليها.

