«ربما كان الأجمل أن نستقبل القادمين الجدد إلى المولد كما نستقبل ضيوف موائدنا بالترحاب لا بالمحاسبة.» عبد الرحمن محمد غوري
لا أعرف متى أصبحت القبة الخضراء شاهداً على التحولات الفكرية، ولا متى صار ظهورها في حالات الهاتف كافياً لإعادة فتح ملفات فقهية ظننا أنها استهلكت ما يكفي من الجولات والصولات. لكنني فوجئت هذا العام، وربما في العام الذي سبقه، بعدد غير قليل من الأصدقاء الذين أضاءوا حالات شاشاتهم بالقبة الخضراء، وكتب بعضهم الصلاة والسلام على صاحبها، صلى الله عليه وسلم.
والمفارقة أن بين هؤلاء من كان، إلى الأمس القريب، إذا سمع كلمة «المولد» استنفر ما لديه من أدلة وتحذيرات، وكأن مجرد ذكر المناسبة إيذان بفتح باب عظيم من أبواب البدع. وكان بعضهم لا يكتفي بإبداء رأيه، بل يدخل في محاولات مستميتة لإقناعك بأن الاحتفال منكر يجب التحذير منه. ثم دارت الأيام، فإذا بالقبة الخضراء نفسها تستقر فوق شاشات هواتفهم، في مشهد يستحق التأمل ويبعث على شيء من الدهشة.
كبرنا ونحن نعرف المولد قبل أن نعرف الخلاف حوله. ففي بيوتنا وأحيائنا ومساجدنا عرفناه يوماً له حضوره؛ يجتمع فيه الناس لقراءة السيرة والصلاة على النبي، صلى الله عليه وسلم، وذكر شمائله، وتنحر فيه الذبائح، وتمتلئ القدور، وتمتد الموائد عامرة باللحم والطعام، ويجتمع حولها الأهل والجيران والفقراء.
ولم يخطر ببالنا أننا نخوض معركة فقهية أو نؤسس مذهباً جديداً. كنا ببساطة نفرح برسول الله، صلى الله عليه وسلم، ونستعيد سيرته، ونكثر من الصلاة والسلام عليه، وننظر إلى المناسبة باعتبارها يوماً عزيزاً نشأنا على الاحتفاء به، ومحطة سنوية يتجدد فيها الحديث عن الرحمة والأخلاق والسيرة التي غيرت وجه التاريخ.
وكان للصغار نصيبهم من الفرح، وللكبار نصيبهم من الذكر، وللفقراء نصيبهم من الطعام، وتمضي المناسبة في بساطتها الجميلة، من غير أن يخطر ببال أحد أن يسأل الآخر: تحت أي باب فقهي يضع طبقه من اللحم؟
ثم جاءت سنوات أصبح فيها كل شيء تقريباً خاضعاً لفتوى عاجلة ومزاجية، وتحولت أمور عاشها الناس ببساطة وطمأنينة إلى ساحات للسجال، واندلعت حولها حروب طاحنة على المنابر وفي المجالس، قبل أن تجد طريقها إلى الفضائيات، ثم إلى مواقع التواصل الاجتماعي.
وكان المولد من أكثر المناسبات نصيباً من تلك الهمبكة، حتى صار بعض الناس يتعامل معه كأنه خطر داهم على عقيدة الأمة. وبرزت محاولات مستميتة لإقناع المحتفلين بأن ما يفعلونه بدعة ضالة، وكل ضلالة في النار، ويبدأ المتربصون بوابل من الأسئلة عن الدليل، ولماذا التخصيص بيوم معين، ومن فعل ذلك من السلف، وما أصل الاجتماع له، حتى تتحول الذبيحة التي اجتمع حولها الأهل والجيران والفقراء، من مائدة عامرة يطعم منها الناس، إلى قضية شائكة تستدعي التحقيق والتدقيق.
وكان بعض أصدقائنا من أشد الناس حماسة في تلك الجولات. فإذا كتبت كلمة عن المولد، جاءك أحدهم مسرعاً، لا ليشاركك الصلاة على النبي، صلى الله عليه وسلم، بل ليذكرك بأن الاحتفال بدعة، ثم يتبع ذلك بمحاضرة طويلة، ومقطع آخر، وفتوى ثالثة، من باب الاحتياط حتى لا تسول لك نفسك أن تقيم الاحتفال في العام المقبل.
وأحياناً كان يتراءى لي أن الرجل لا يناقش مسألة دينية بقدر ما يقوم بدورية تفتيش إلكترونية، يتعقب خلالها كل من تسول له نفسه أن يفرح بالمولد، أو ينحر ذبيحة، أو يجمع الناس على الطعام وقراءة سيرة المصطفى، صلى الله عليه وسلم.
مرت الأعوام، وهدأت أشياء كثيرة، وتبدلت أحوال، وتغيرت معها نظرات ومواقف، حتى جاء زمن الـ«Status»، وهنا بدأت المفاجآت.
فتحت هاتفي ذات يوم، فإذا بالقبة الخضراء تتلألأ في حالة شاشة صديق قديم أعرف جيداً موقفه من المولد. فقلت: لعل الصورة أعجبته ولم ينتبه إلى مدلولاتها. ثم ظهرت القبة عند ثانٍ وثالث ورابع، وتوالى ظهورها عند آخرين. فهذا يضيف إليها الصلاة والسلام على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وذاك يكتب كلمات جميلة عن مولده الشريف، وبعضهم بدا أكثر حماسة للمناسبة ممن أمضوا أعمارهم يحتفلون بها.
عندها لم أتمالك نفسي من الابتسام، وقلت في سري: مرحباً بكم جميعاً. غير أن سؤالاً صغيراً ظل يلح عليّ كلما أطلت القبة الخضراء من حالة شاشة جديدة:

