«ينبغي ألا يقاس التقدم المالي في الصومال بمجرد الوصول إلى الخدمات، بل بمدى قدرة الخدمات المالية على تحقيق الصمود والفرص والأمان». الدكتورة آمنة شيخ عمر
قرأت مؤخرا تقرير مسح الوصول إلى الخدمات المالية في الصومال (SOM-FAS2026)، الذي أصدره البنك المركزي الصومالي بالشراكة مع المكتب الوطني للإحصاء في الصومال.
وبينما يقدم هذا التقرير أدلة مهمة بشأن كيفية وصول الناس في الصومال حاليا إلى الخدمات المالية، أرى أنه يعكس قصة أوسع بكثير، وهي التطور المستمر للنظام المالي في الصومال.
ولعل أبرز ما يلفت الانتباه في التقرير هو الفارق الكبير بين انتشار الخدمات المصرفية، الذي لا يزال منخفضا نسبيا عند نحو 19 في المئة، وانتشار البنية التحتية للأموال عبر الهاتف المحمول، التي تصل حاليا إلى 87 في المئة من السكان البالغين.
وتقدم هذه الإحصاءات رؤية مهمة لكيفية تطور الوصول إلى الخدمات المالية في الصومال، الذي لم يحدث أساسا من خلال القنوات المصرفية التقليدية، بل تطور إلى حد كبير نتيجة الابتكار الرقمي والمتطلبات التشغيلية الأساسية للحياة اليومية لدى كثير من الصوماليين.
وقد وفرت الأموال عبر الهاتف المحمول أداة أساسية لغالبية الصوماليين لإنجاز مهام بسيطة مثل إرسال الأموال واستلامها وإجراء المدفوعات، في بيئة كان حضور الخدمات المصرفية الرسمية التقليدية فيها تاريخيا محدودا للغاية أو معدوما.
وبهذه الطريقة، ساعدت الأموال عبر الهاتف المحمول في سد فجوة كبيرة في الوصول إلى الخدمات المالية لم تتمكن الأنظمة المصرفية الرسمية التقليدية من معالجتها على نطاق واسع.
ومع أن الاعتراف بهذا التقدم يحمل بالتأكيد قيمة كبيرة، فلا ينبغي لنا أن نفترض أن الوصول إلى الخدمات المالية يعني تلقائيا الشمول فيها.
الوصول والشمول أمران مختلفان
لعل أهم ما يكشفه التقرير هو أن الوصول إلى الخدمات المالية ليس سوى البداية. فالوصول يتيح للأفراد المشاركة في النظام، لكن الشمول الحقيقي يتحقق عندما يعمل هذا النظام بصورة ذات معنى ومستدامة لصالح الفرد.
ومن أمثلة هذا الاختلاف أن بعض الأفراد يستطيعون الوصول إلى الأموال عبر الهاتف المحمول، لكنهم يظلون غير قادرين على الادخار بصورة منتظمة، أو الحصول على قروض ميسورة التكلفة ومعقولة، أو تأمين أنفسهم «تكافل» ضد المخاطر أو الصدمات المحتملة، أو تنمية أعمالهم بنجاح.
وهذه الفروق مهمة لأن الشمول المالي الحقيقي لا يعني فقط قدرة الأفراد على الوصول إلى النظام المالي، بل يعني أيضا أن يعمل النظام لصالحهم بصورة ذات معنى ومستدامة.
لماذا تهم هذه القصة؟
تجربة الصومال مهمة للقراء المحليين لأنها تعكس واقعا يدركه السكان المحليون بالفعل، وهو أن الأموال عبر الهاتف المحمول أصبحت جزءا أساسيا من الحياة اليومية.
لقد غيرت الأموال عبر الهاتف المحمول بصورة جوهرية الطريقة التي تدعم بها الأسر بعضها بعضا، وكيفية عمل الشركات، وكيفية تكيف المجتمعات مع التغيرات الاقتصادية السريعة. وبالنسبة إلى كثير من الصوماليين، أصبحت أداة أساسية لإدارة شؤونهم المالية بصورة يومية.
أما بالنسبة إلى القراء الدوليين، فيقدم الصومال مثالا إضافيا، إذ يوضح أن الأنظمة المالية نادرا ما تتطور بالطريقة نفسها في مختلف البلدان.
فعندما تكون الخدمات المصرفية الرسمية غائبة أو يتعذر الوصول إليها بالنسبة إلى قطاعات واسعة من سكان بلد ما، يمكن أن تظهر حلول بديلة تقدم استجابات أسرع وأكثر قدرة على التكيف وأكثر ارتباطا بالاحتياجات الفعلية للعملاء.
لكن التكيف وحده لا يكفي. فالخطوة التالية تتمثل في الاستفادة من هذا الزخم وإنشاء نظام مالي لا يقتصر على سهولة الوصول إليه، بل يكون أيضا مستقرا وموثوقا وقادرا على الصمود.
الخطوة التالية
بينما يحدد التقرير عدة مجالات رئيسية ينبغي أخذها في الاعتبار فيما يتعلق بالشمول المالي بين المواطنين الصوماليين، أرى أن أهم إسهام له يكمن في طرح السؤال حول ما يعنيه الشمول المالي في نهاية المطاف.
فإذا كان المواطنون قادرين على استخدام الأموال عبر الهاتف المحمول، لكنهم يواجهون تحديات مستمرة في الادخار، أو الحصول على التمويل بأسعار ميسورة، أو التأمين ضد الصدمات المحتملة، أو الاستثمار في أعمالهم، فإن الإطار المالي القائم يظل غير مكتمل.

