«حين تستخدم الدولة القوة دون إقناع المواطن بعدالة استخدامها، فإنها قد تنجح في إخلاء المكان لكنها تخسر جزءاً من شرعيتها في عقل المواطن.»نور معلم صلاة
في هذه الصورة لا أرى فقط أطفالًا يحملون حجارة؛ بل أرى شيئًا أخطر بكثير: جيل يتعلم، منذ سن مبكرة، كيف ينظر إلى الدولة.
القضية ليست فقط في الأرض أو الوثائق أو أوامر الهدم، بل في الأثر الذي تتركه هذه المشاهد في نفس الطفل. فالطفل لا يقرأ مواد الدستور، ولا يعرف تفاصيل سجلات الأراضي، ولا يفهم تعقيدات الملكية العامة والخاصة، لكنه يدرك شيئًا واحدًا مباشرة: هناك قوة تريد الوصول إلى بيت أسرته، وهو يشعر بأنه مضطر للدفاع عنه.
الطفل الذي كان ينبغي أن يتعلم أن الدولة هي المؤسسة التي تحمي الضعيف، قد يتعلم بدلاً من ذلك أن الدولة هي القوة التي يخشى منها الضعيف، والذي كان ينبغي أن يتعلم أن النزاع يُحل أمام القضاء قد يدرك أن الحجر هو آخر وسيلة متاحة عندما يغيب القانون أو يفقد الناس ثقتهم في قدرته على إنصافهم.
فالدولة لا تُبنى بالطرق والجسور والمباني الحكومية وحدها، وإنما تُبنى أيضًا بالصورة التي تتكون في ذهن المواطن عن السلطة، فإذا نشأ الطفل وهو يرى السلطة خصمًا لأسرته، فقد يكبر وهو يحمل شكوكًا عميقة تجاه مؤسساتها، وإذا تكرر أمامه مشهد القوة مقابل الضعفاء، فقد يصبح العنف بالنسبة له وسيلة طبيعية للدفاع عن الحق.
وهنا تكمن المفارقة الخطيرة: حين تستخدم الدولة القوة دون إقناع المواطن بعدالة استخدامها، فإنها قد تنجح في إخلاء المكان لكنها تخسر جزءًا من شرعيتها في عقل المواطن.
والأخطر أن الطفل لا ينسى بسهولة المشاهد المتعلقة ببيته وأسرته، فالمنزل بالنسبة إليه ليس مجرد قطعة أرض؛ إنه الأمان والذاكرة ومكان الأسرة وموطن طفولته ، وعندما يرى هذا الأمان ينهار أمام عينيه تحت عجلات الجرافة، فإن الرسالة التي تصل إلى داخله قد تكون بأن الأمان غير مضمون وأن القوة أقوى من القانون.
يمكن أن تتشكل أنماط من الوعي تستند إلى الخوف من السلطة، وفقدان الثقة بالمؤسسات، والإحساس بالعجز، وعلى الجانب الآخر، قد تظهر مشاعر الغضب والرغبة في المقاومة والانتقام، فالطفل الذي يحمل الحجر اليوم لا يعني بالضرورة أنه سيتحول إلى شخص عنيف غدًا، لكن المجتمع الذي يعيد عرض مشاهد القوة والعجز أمام أطفاله دون أن يقدم لهم نموذجًا للعدالة والمساءلة، يزرع فيهم بذورًا نفسية واجتماعية يصعب توقع نتائجها.
لذا فإن أخطر ما في مشهد الأطفال وهم يحملون الأحجار ليس مجرد احتمال إصابة جندي بحجر، بل إن صورة الدولة قد تتلاشى من ذهن الطفل قبل أن ينهار جدار بيته.

