«بيدوا لا تحتاج إلى طرف ينتصر على آخر، بل إلى حل ينتصر للمدينة ويحمي أهلها من تكرار الصراع والخوف والانقسام.» نور معلم صلاة
أكتب هذه السطور فيما لا يزال صوت الرصاص يتردد في أجواء بيدوا. وفي لحظات كهذه، حين يصبح الخوف جزءا من حياة الناس اليومية، يطرح السؤال نفسه بإلحاح: ماذا تحتاج بيدوا فعلا؟
لقد تجاوزت الخلافات السياسية في ولاية جنوب غرب الصومال، وخاصة في بيدوا، حدود التنافس السياسي الطبيعي. وعندما تنتقل الخصومة من قاعات الحوار إلى الشوارع، ومن البيانات السياسية إلى البنادق، فإن الخاسر الحقيقي لا يكون طرفا سياسيا بعينه، بل المدينة بأكملها.
قد تختلف السلطة والمعارضة، وقد تتعارضان وتتنافسان، فهذا جزء من طبيعة السياسة. لكن السياسة تفقد معناها عندما تصبح لغة السلاح هي اللغة الأخيرة، وحين يدفع المواطن ثمن خلافات السياسيين من أمنه ومنزله ومستقبل أبنائه.
بيدوا لا تحتاج إلى طرف ينتصر على آخر، بل إلى حل ينتصر للمدينة. فالانتصار العسكري المؤقت لا يصنع استقرارا دائما، وإقصاء الخصم لا يعني انتهاء الأزمة. قد يهدأ صوت الرصاص لبعض الوقت، لكن جذور الخلاف ستبقى، وقد تعود الأزمة بصورة أكثر خطورة إذا لم تعالج أسبابها السياسية والاجتماعية.
ما تحتاج إليه المدينة هو عقل سياسي قادر على تحويل الخصومة إلى حوار، والخلاف إلى تفاوض، والتنافس إلى ممارسة سياسية سلمية. وتحتاج إلى قيادة تدرك أن قوة الدولة لا تقاس فقط بعدد الجنود الذين تستطيع نشرهم في الشوارع، وإنما بقدرتها على إدارة الاختلاف، وحماية حقوق المواطنين، وضمان ألا يؤدي الموقف السياسي المختلف إلى الانتقاص من حقوق أي طرف.
الأزمة في بيدوا ليست أزمة نقص في الأسلحة حتى تحل بمزيد من القوة، وليست أزمة نقص في البيانات حتى تواجه ببيان سياسي جديد. إنها أزمة أعمق تتعلق بطريقة إدارة الخلاف السياسي، وبقدرة الأطراف على بناء قواعد مشتركة تمنع تحول التنافس إلى مواجهة.
وتحتاج بيدوا إلى قيادة حكيمة تستطيع إخراجها من هذه الدائرة المغلقة: خلاف سياسي يتحول إلى صراع، وصراع يتحول إلى اشتباكات، واشتباكات تنتج مزيدا من الاحتقان والخوف وعدم الثقة.
كما تحتاج المدينة إلى دم سياسي جديد، وإلى جيل من السياسيين لا ينظر إلى السلطة باعتبارها غنيمة، ولا إلى المعارضة باعتبارها عدوا، ولا إلى الخلاف السياسي باعتباره معركة وجود يجب أن ينتصر فيها طرف ويختفي الآخر.
وتحتاج بيدوا قبل ذلك كله إلى مصالحة حقيقية، لا إلى مصالحة شكلية تلتقط فيها الصور ثم يعود الجميع إلى مواقعهم السابقة. مصالحة تفتح المجال لمناقشة الأخطاء والمظالم والجراح السياسية والاجتماعية، وتبحث عن معالجتها بالحوار الصادق والاتفاق على قواعد واضحة وعادلة لإدارة الخلاف.
لكن المسؤولية لا تقع على السياسيين وحدهم.
بيدوا تحتاج أيضا إلى مثقفين يحافظون على استقلالهم وسط الاستقطاب السياسي، وإلى شيوخ ووجهاء يوظفون مكانتهم الاجتماعية في التقريب بين الأطراف لا في تعميق الانقسام، وإلى شباب يرون مستقبلهم في التعليم والعمل والمشاركة السياسية السلمية لا في حمل السلاح، وإلى رجال أعمال يدركون أن الاستقرار ليس ترفا، بل شرط أساسي لاستمرار الحياة الاقتصادية.

