«الخارج ينظر إلى المدى البعيد، فيما ينظر الداخل إلى خريطة الكراسي، والكرسي مهما بدا كبيرا أصغر من الوطن».عبد الرحمن محمد غوري
لا يمر عام على الصومال من دون ملف جديد يضاف إلى ما سبقه؛ فالانتخابات تثير خلافا حول كيفية إجرائها، ولا يزال الخلاف قائما بين الحكومة وبعض الولايات، وتهديد حركة الشباب لم ينته، وقضية «أرض الصومال» ما زالت بلا حل، وهاجس إثيوبي قديم بالوصول إلى البحر عاد إلى الواجهة، ثم دخلت إسرائيل على الخط. وفي العادة تأتي الأزمات واحدة بعد أخرى، أما في الصومال فيبدو أنها تفضّل الحضور الجماعي.
ولا تستطيع أن تحل مشكلة عمرها ثلاثون عاما في بيان، ولا أن تبني دولة أنهكتها الحرب الأهلية في دورة انتخابية أو دورتين. والمشكلة أن التحولات من حول الصومال لا تمهله الوقت الذي يحتاج إليه لترتيب بيته من الداخل؛ فالمنطقة تتغير بسرعة، والبحر الأحمر وخليج عدن يزدحمان بالقوى المتنافسة، وما كان مهملا في سنوات الضعف أصبح اليوم موضع اهتمام.
للصومال ساحل يزيد على ثلاثة آلاف كيلومتر، وهو الأطول في البر الأفريقي، ويمتد على خليج عدن والمحيط الهندي قريبا من باب المندب، أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم. وظل هذا الساحل سنوات طويلة خبرا في كتب الجغرافيا أكثر منه قوة في حسابات السياسة، لأن الدولة كانت مشغولة بالبقاء. أما اليوم، فقد أصبحت الموانئ سياسة، والبحار نفوذا، والقرن الأفريقي، الذي كان العالم يتذكره كلما وقعت حرب أو حلت مجاعة، أصبح مكانا يتنافس كثيرون على الحضور فيه.
وإثيوبيا تعرف قيمة البحر أكثر من غيرها؛ فقد أصبحت دولة حبيسة بعد استقلال إريتريا، وظلت تبحث عن خيارات للوصول إليه. ومن الطبيعي أن تبحث دولة بلا ساحل عن منفذ لتجارتها، لكن المشكلة تبدأ عندما يمر الطريق إلى ذلك المنفذ فوق أرض يراها بلد آخر جزءا من سيادته. ولهذا رأت مقديشو في مذكرة التفاهم التي وقعتها أديس أبابا مع أرض الصومال قضية تتجاوز الميناء إلى الحدود والوحدة والسيادة.
ثم جاءت وساطة أنقرة، وانتهت إلى تأكيد احترام سيادة الصومال ووحدة أراضيه، مع فتح الباب أمام ترتيبات تجارية تتيح لإثيوبيا الوصول إلى البحر تحت السيادة الصومالية. وهدأت الأزمة، لكن الحاجة التي صنعت الخلاف لم تختف؛ فالدولة الحبيسة بقيت في مكانها، والبحر على مرأى منها.
ولم يتوقف أثر البحر عند الخلاف مع إثيوبيا؛ فقد دخلت إسرائيل على الخط من بوابة إقليم «أرض الصومال»، وهي قضية كانت معقدة بما يكفي قبل ذلك: انفصال معلن، ومؤسسات قائمة في هرجيسا، وحكومة في مقديشو تتمسك بوحدة البلاد، وعقود من البحث عن اعتراف دولي. ثم جاء الاعتراف الإسرائيلي ليضيف إلى الملف بعدا جديدا، فلم تعد المسألة مجرد خلاف قديم بين مقديشو وهرجيسا، وإنما أصبحت أكثر اتصالا بما يجري حول البحر الأحمر وخليج عدن.
وهنا تلتقي الخيوط: فهناك من يبحث عن منفذ، وهناك من يريد نفوذا، وهناك من يراقب الموانئ وطرق التجارة، وفي الوسط بلد أمضى سنوات طويلة مشغولا بحروبه الداخلية، بينما كان ما حوله يزداد أهمية في حسابات الآخرين.
كان العبد لله، في الماضي، إذا أراد أن يفهم السياسة الصومالية، تابع مقديشو، ثم نظر إلى هرجيسا وغروي وكيسمايو، وظن أنه بذلك أمسك بأطراف الحكاية. أما اليوم، فعليه أن يضيف أديس أبابا وأنقرة وتل أبيب، وأن يعرف شيئا مما يجري في البحر الأحمر وخليج عدن.
لذلك اكتشف العبد لله متأخرا أن دفتر الملاحظات لم يعد كافيا، وأن أطلسا على الطاولة قد يكون أكثر نفعا.
ويقال، والله أعلم، إن الرئيس الفرنسي شارل ديغول كان يطلب الخريطة كلما عرضت عليه أزمة. ولا أعرف مدى صحة الحكاية، لكن معناها يعجبني؛ فالخريطة تقول أحيانا ما لا تقوله الخطب، ومن يريد أن يفهم ما يجري حول الصومال هذه الأيام لن يخسر شيئا إذا فتح الخريطة أولا.
وليس في بحث الدول عن مصالحها ما يثير الدهشة؛ فهذه هي السياسة منذ عرف العالم الجغرافيا. والمفارقة أن يعرف القادمون من بعيد ما يريدونه، بينما يظل أهل البلد مختلفين حول ما يريدونه لأنفسهم.
وسط كل ذلك، تأتي الانتخابات، والجميع يريد انتخابات حرة ونزيهة. وهذه من أكثر العبارات استقرارا في بلد لم يعرف كثيرا من الاستقرار، لكن الخلاف يبدأ عادة بعد كلمة «نزيهة»: كيف تجرى الانتخابات؟ وبأي نظام؟ ومن يشارك فيها؟ ومن يضع قواعدها؟ وماذا يحدث إذا لم يتفق الجميع على تلك القواعد؟

