«الصومال لا يحتاج إلى انتصار طرف على آخر، بل إلى انتصار الدولة على الانقسام والمؤسسات على الشخصنة والقانون على القوة». شمس الدين إبراهيم عثمان
منذ انهيار الدولة المركزية في الصومال عام 1991، ظل بناء دولة صومالية مستقرة وقادرة على تحقيق الأمن والتنمية والوحدة الوطنية واحدا من أكبر التحديات التي تواجه المجتمع والدولة.
ومع اعتماد النظام الفيدرالي بوصفه الإطار الدستوري لبناء الدولة الحديثة، برزت أسئلة عديدة حول طبيعة العلاقة بين الحكومة الفيدرالية والولايات الأعضاء، وحدود الصلاحيات بين المركز والأقاليم، ومدى قدرة النظام الفيدرالي على تحقيق التوازن بين توزيع السلطة والحفاظ على وحدة الدولة.
بين الفيدرالية والوحدة الوطنية
من أكثر القضايا إثارة للجدل في السياسة الصومالية السؤال الآتي: هل تؤدي الفيدرالية إلى تعزيز الوحدة الوطنية أم إلى زيادة الانقسام؟
والإجابة الموضوعية تقتضي النظر إلى الفيدرالية باعتبارها وسيلة، وليست غاية في حد ذاتها. فإذا أُدير النظام الفيدرالي في إطار دستوري واضح، وقامت العلاقة بين المركز والولايات على التعاون والثقة وتقاسم الموارد والصلاحيات، فقد تصبح الفيدرالية وسيلة لتعزيز الوحدة الوطنية.
أما إذا تحولت الفيدرالية إلى صراع دائم على السلطة والموارد، أو أصبحت العلاقة بين الحكومة الفيدرالية والولايات قائمة على المنافسة والصدام بدلا من التعاون، فإنها قد تتحول من وسيلة لبناء الدولة إلى عامل من عوامل إضعافها.
وقد أظهرت دراسات حديثة حول التجربة الصومالية أن غموض توزيع الصلاحيات بين الحكومة الفيدرالية والولايات، إلى جانب ضعف آليات التنسيق بين مستويات الحكم، أسهما في زيادة التوترات السياسية وفتح المجال أمام تدخلات خارجية في بعض الملفات.
أزمة توزيع الصلاحيات
يعد توزيع الصلاحيات من أبرز الملفات التي تحتاج إلى معالجة في النظام السياسي الصومالي. فوجود خلافات مستمرة حول من يملك القرار في مجالات الأمن والموارد والانتخابات والسياسة الخارجية وغيرها، يؤدي إلى إضعاف المؤسسات وإرباك عملية صنع القرار.
ووضع الدستور المؤقت مبادئ عامة للعلاقة بين مستويات الحكم، لكنه ترك بعض القضايا الجوهرية بحاجة إلى تشريعات واتفاقات سياسية أكثر وضوحا. ولذلك، فإن استكمال البناء الدستوري لا ينبغي أن يكون مجرد عملية قانونية، وإنما يجب أن يكون مشروعا وطنيا تشارك فيه الحكومة الفيدرالية والولايات والقوى السياسية والمجتمع المدني.
وتزداد أهمية هذا الأمر في ظل الخلافات التي ظهرت حول المراجعة الدستورية التي اكتملت في عام 2026، وأثارت اعتراضات من قوى سياسية وبعض الولايات، خصوصا بشأن طريقة اعتماد التعديلات وتوزيع الصلاحيات والنظام الانتخابي.
الانتخابات وأثرها في مستقبل الفيدرالية
لا يمكن فصل مستقبل الفيدرالية عن مستقبل النظام الانتخابي في الصومال. فالانتقال من نظام انتخابي غير مباشر إلى نظام يقوم على مبدأ «شخص واحد، صوت واحد» يمثل تحولا مهما في الحياة السياسية الصومالية.
وترى الحكومة الفيدرالية أن الانتخابات المباشرة تمثل خطوة نحو تعزيز المشاركة الشعبية وتوسيع حق المواطنين في انتخاب ممثليهم. وقد أكدت الحكومة في مايو 2026 التزامها بالانتقال إلى نظام الاقتراع العام المباشر.
لكن هذا الانتقال أثار، في المقابل، مخاوف لدى بعض القوى السياسية والولايات من إمكانية استخدام الإصلاح الانتخابي لإعادة توزيع موازين القوى السياسية أو تعزيز نفوذ الحكومة المركزية.
ومن ثم، فإن نجاح الانتخابات لا يعتمد فقط على اعتماد قانون انتخابي، بل يحتاج إلى توافق سياسي واسع، ومؤسسات انتخابية مستقلة، وضمانات قانونية، وآليات تضمن مشاركة مختلف الأطراف وتحول دون استخدام العملية الانتخابية أداة للصراع السياسي.
الصراع بين المركز والأقاليم
شهدت العلاقة بين الحكومة الفيدرالية وبعض الولايات خلال السنوات الأخيرة توترات متكررة، خصوصا حول الانتخابات والدستور والأمن وتعيين المسؤولين وإدارة الموارد.
وفي عام 2026، وصلت هذه التوترات إلى مستويات أكثر حدة، إذ ظهرت خلافات واضحة بين الحكومة الفيدرالية وكل من بونتلاند وجوبالاند، كما تصاعد الصراع في جنوب غرب البلاد، وتحولت بعض الخلافات السياسية إلى مواجهات أمنية.
وفي سبتمبر 2026، اندلعت مواجهات جديدة في محيط بيدوا بين القوات الحكومية ومسلحين مرتبطين بالرئيس السابق لولاية جنوب غرب، ما يعكس خطورة انتقال الخلافات السياسية من المؤسسات والحوار إلى المجال العسكري.
وهنا تظهر قاعدة أساسية ينبغي أن يدركها جميع الفاعلين السياسيين: الخلاف السياسي يمكن حله بالحوار، أما عندما يتحول إلى صراع مسلح، فإن تكلفة الخلاف يدفعها المواطن قبل السياسي.
هل يحتاج الصومال إلى مركزية أقوى أم فيدرالية أكثر فاعلية؟
ليس من الضروري أن يكون النقاش حول مستقبل الصومال محصورا بين خيارين متناقضين: مركزية كاملة أو فيدرالية كاملة.
فالدولة الحديثة تستطيع أن تجمع بين حكومة اتحادية قوية في الملفات السيادية، وولايات تتمتع بصلاحيات واضحة في الملفات المحلية.
فالدفاع الوطني والسياسة الخارجية والعملة والجنسية والقضايا السيادية الكبرى تحتاج إلى مؤسسات وطنية قوية وموحدة، بينما يمكن منح الولايات صلاحيات حقيقية في إدارة شؤونها المحلية وتقديم الخدمات والتنمية وبعض الجوانب الإدارية والأمنية، وفق إطار دستوري واضح.
المشكلة، إذن، ليست في قوة المركز أو قوة الولايات بحد ذاتها، وإنما في غياب التوازن المؤسسي الذي يحدد لكل مستوى من مستويات الحكم حقوقه وواجباته.
الوحدة الوطنية ليست إلغاء للتنوع
من الأخطاء السياسية النظر إلى الوحدة الوطنية باعتبارها تعني إلغاء الاختلافات السياسية والاجتماعية بين الصوماليين.

