«حين يصبح الصدق سذاجة، والكذب مهارة، والنفاق ذكاء اجتماعيا، يبدأ المجتمع في خسارة عافيته وقدرته على تصحيح أخطائه بنفسه تدريجيا.» عبد الرحمن محمد غوري
هل تذكرون فولتير؟ لا أقصد تماثيله، ولا كتبه التي يشتريها بعض الناس لتزيين المكتبات، ثم يتركونها في سلام دون قراءة؛ وإنما أقصد الرجل الذي تنسب إليه عبارة تقول إن «أسوأ الناس حظا الصادقون في المجتمعات الكاذبة».
قالها فولتير أو لم يقلها، فليس هذا هو المهم؛ فقد جرت العادة عندنا أن كل حكمة لا نعرف صاحبها نلحقها بفولتير أو برنارد شو، فإذا كان فيها شيء من العلم نسبناها إلى أينشتاين، وانتهى الأمر. والحقيقة أن العبارة لا تحتاج إلى فولتير حتى نصدقها؛ فما حولنا يشهد لها كل يوم. فالشخص الصادق في مجتمع اعتاد الكذب شخص ثقيل الدم، ولعل هذه واحدة من عجائب زماننا التي غفلت عنها كتب الأخلاق.
يا ساتر يا رب، هل وصل بنا الأمر إلى أن يصبح الصدق مشكلة؟ نعم يا سيدي؛ فالمجتمع الكاذب لا يطلب منك أن تكذب، حاشا لله، فهو ألطف من ذلك. وإنما يريد منك أن تعرف متى لا ترى، ومتى لا تسمع، ومتى تهز رأسك موافقا، ومتى تقول إن الأمور على ما يرام وهي ليست كذلك؛ وأن تتعلم المصطلحات الجديدة: فالفشل تحد، والخطأ سوء تقدير، والتملق لباقة، والانتهازية مرونة، والسكوت عن الباطل حكمة.
فإذا أتقنت هذه اللغة، قيل عنك: رجل فهامة يعرف الدنيا. وإذا لم تتقنها، فأنت همبكة لا تعرف كيف تسير الأمور. وقد يجيء إليك ناصح ويقول لك: يا أخي، كن واقعيا. والواقعية، حفظكم الله، كلمة عجيبة تتسع لكل شيء تقريبا إلا الواقع.
وليست المشكلة أن الناس فريقان: صادقون وكاذبون. فلو كانت الحكاية بهذه السهولة، لأقمنا طابورا للصادقين وطابورا للكاذبين، وأغلقنا الملف. كلنا نجامل، وكلنا نسكت أحيانا، وربما قلنا نصف الحقيقة وأقنعنا أنفسنا بأن أحدا لم يسألنا عن النصف الآخر. وإنما تبدأ المصيبة حين يصبح الكذب عادة لا يخجل منها أحد، ثم يصبح مع الأيام فنا له أهله وخبراؤه وأساتذته أيضا.
والصادق المسكين يدخل هذه اللعبة من غير أن يعرف قواعدها؛ فيقول ما يراه صحيحا، بينما يقول الآخرون ما ينبغي أن يقال؛ لأن للكلام عندهم استعمالات أخرى. وصاحبنا، إذا وعد، وفى؛ لأنه تعلم أن الوعد دين. ثم يكتشف أن الوعد، في هذا الزمن، مجرد كلام جميل يصلح للساعة والظرف الراهن؛ فإذا مضت الساعة، مضى معها الكلام. وعندها يفغر صاحبنا فاه، ويشرع في البحث في القاموس عن معنى كلمة «وعد».
ولعل أخطر ما في الحكاية أن الأشياء لم تعد تبقى بأسمائها؛ فالمتملق يقول إنه يجيد التعامل مع الناس، والمنافق يقول إنه يعرف من أين تهب الريح، والذي يغير موقفه صباحا ومساء يقول لك: يا أخي، الدنيا تتغير. والذي يسكت عن الخطأ يقول إنه يقدر الظروف.
أما المسكين الذي يتذكر ما قيل بالأمس، فهذا رجل جامد لا يفهم الدنيا. يا سبحان مغير الأحوال! فما أسرع تغير الدنيا حين نريدها أن تتغير، وما أبطأها حين تكون المصلحة في أن تبقى كما هي.
وكم من مؤسسة يعرف العاملون فيها موضع الخلل ولا يتحدثون عنه، وكم من مسؤول يعرف المحيطون به أنه أخطأ، فإذا اجتمع بهم تسابقوا إلى شرح عبقرية قراره. فهذا يقول إن القرار جاء في الوقت المناسب، وذاك يعتبره صائبا، ويأتي الثالث، وهو أخطرهم موهبة، فيكتشف فيه أبعادا استراتيجية لم تخطر حتى على بال صاحب القرار نفسه. ثم يخرج الجميع من الاجتماع، ويقول بعضهم لبعض: ربنا يستر!
طيب يا جماعة، لماذا لم تقولوا هذا في الداخل؟ لا يا سيدي، لكل مقام مقال. وهكذا تكبر المشكلة، التي كان يمكن علاجها بكلمة صادقة، حتى تحتاج إلى لجنة، ثم لجنة أخرى لدراسة توصيات اللجنة الأولى، ثم يقال لنا إن «الموضوع قيد الدراسة». وهذه العبارة وحدها كفيلة بأن يرقد الموضوع رقدته الأخيرة.
ومع ذلك، لا ينبغي أن نحول كل صادق إلى ولي من أولياء الله الصالحين؛ فليس كل من جرح الناس صريحا، ولا كل من رفع صوته صاحب حق، وليس من الصدق أن تقول كل ما يخطر في بالك، ثم تنتظر من الآخرين أن يشكروك على شجاعتك ونبلك. فهناك فرق بين الصراحة والفظاظة، وبين قول الحقيقة والاستمتاع بإيذاء الناس بها.
والحكمة ليست عدوا للصدق، بل لعلها أجمل صوره. تستطيع أن تقول الحقيقة بلطف، وأن تختلف باحترام، وأن تنتظر الوقت المناسب؛ لكن هناك فرقا كبيرا بين أن تنتظر الوقت المناسب وأن تنتظر يوم ينفخ في الصور.
والعبد لله ليس في مقام من يوزع شهادات الصدق على الناس. فقد كنت، في زمن مضى، أظن أنني أفهم البشر من وجوههم، وأن الكاذب لا بد أن تفضحه عيناه، وأن المنافق لا بد أن تتعثر كلماته، وأن الصادق تستطيع أن تعرفه من أول جلسة.
ثم مرت الأيام، واكتشفت أن الحكاية أعقد من ذلك بكثير. فكم من رجل ابتسم لك، وهو يخفي وراء ابتسامته ما الله به عليم! وكم من رجل حسبته فظا، فإذا به أصدق من عشرة يحسنون انتقاء الكلام! وعرفت متأخرا أن الوجوه ليست دفاتر حساب، وأن الناس لا يمشون بيننا وقد علق كل واحد منهم على صدره بطاقة تقول: هذا صادق، وهذا كاذب. والحمد لله أن الأيام علمتني، في النهاية، أنني لم أكن فهامة كما كنت أظن.
والمفارقة أن المجتمع الكاذب يحتاج إلى الصادق أكثر من أي مجتمع آخر، لكنه لا يطيقه؛ فالصادق فيه مثل المرآة، والناس لا يغضبون من المرآة حين تعجبهم الصورة، لكنهم إذا رأوا فيها ما لا يعجبهم أصبحت المرآة سيئة، والإضاءة رديئة، وربما كان صانعها رجلا قليل الذوق لا يجيد صناعة المرايا. وكل شيء يصبح موضع شك، إلا الوجه الذي ظهر فيها. وكسر المرآة، بطبيعة الحال، أسهل كثيرا من إصلاح الوجه.

