«مأساة الصومال ليست أن نخبته تختلف على من يحكم، بل أنها كثيرا ما تتصرف وكأن الدولة يجب أن تنتصر معها أو تسقط مع خصومها.»علي حلني
هناك شيء يتجاوز الخلاف السياسي الطبيعي في الصومال. شيء أكثر حدة من المنافسة على الرئاسة، وأعمق من أزمة انتخابات، وأخطر من نزاع بين الحكومة الاتحادية والولايات. إنها حالة يمكن تسميتها، من دون مواربة، «السعار السياسي».
ليس السعار هنا وصفا طبيا ولا شتيمة لأحد، بل استعارة لحالة سياسية يصبح فيها الوصول إلى السلطة أو البقاء فيها هاجسا يبتلع كل شيء. يصبح التراجع خيانة، والتسوية هزيمة، والحوار فخا، والخصم عدوا، فيما تتحول الدولة نفسها إلى ساحة لتصفية الحسابات.
وفي الصومال، لا تكمن المشكلة فقط في أن السياسيين يتنافسون على السلطة، بل في أنهم كثيرا ما يتنافسون على الدولة ذاتها.
في الدولة المستقرة يخسر السياسي الحكومة، لكنه لا يخسر الوطن. يخرج من القصر ويبقى داخل النظام، وينتظر الانتخابات التالية. أما في الدولة الهشة، فالسلطة ليست مجرد منصب. إنها نفوذ وموارد وتعيينات وتحالفات وحماية وشبكات مصالح ومكان داخل المعادلة. لذلك تصبح خسارتها أقرب إلى الإقصاء الوجودي.
وهنا يبدأ السّعار.
كلما اقترب استحقاق انتخابي في الصومال، تعود الأسئلة ذاتها كأن البلاد لم تخض عشرات المؤتمرات والحوارات منذ انهيار الدولة: من يضع قواعد الانتخابات؟ من يديرها؟ من يشارك؟ هل تكون مباشرة أم توافقية؟ ما مصير 4.5؟ وما دور الأحزاب والولايات؟ وأين ينتهي الدستور وتبدأ التسوية السياسية؟
ليست المشكلة في هذه الأسئلة؛ فهي ضرورية في بلد لا يزال يبني نظامه. المشكلة أن الإجابات تتغير أحيانا بتغير موقع السائل من السلطة.
من يكون في الحكم يكتشف فضائل المؤسسات، ومن يغادره يكتشف عيوبها. من يمتلك الأغلبية يتحدث عن حكم القانون، ومن يخشى نتائجها يستدعي التوافق. ومن يطالب اليوم بإطلاق يد المركز قد يصبح غدا أشد المدافعين عن صلاحيات الولايات إذا تغير موقعه السياسي.
وهكذا تتحول المبادئ إلى ملابس موسمية.
يُرفع شعار «صوت واحد لشخص واحد» باعتباره طريقا إلى الديمقراطية، بينما يخشى خصومه أن يستخدم لإعادة هندسة قواعد السلطة. ويُرفع شعار «التوافق» باعتباره حماية للشراكة، بينما يمكن أن يتحول بدوره إلى حق نقض دائم تحتكره النخب القديمة.
وبين الشعارين يضيع السؤال الذي يستحق أن تبنى حوله الدولة كلها: هل يستطيع السياسي الصومالي أن يخسر اليوم وهو واثق بأنه يستطيع العودة غدا؟ إذا كانت الإجابة لا، فالمشكلة ليست في صندوق الاقتراع، بل في الدولة. لقد أتقنت النخبة الصومالية فن الفوز، لكنها لم تتعلم بعد بما يكفي فن الخسارة.
حين تنتصر، تصبح المؤسسة شرعية. وحين تخسر، تصبح مسيسة. المحكمة مستقلة حين يأتي الحكم موافقا، ومشكوك فيها حين يأتي مخالفا. الفيدرالية حصن دستوري عندما تحمي نفوذنا، وعقبة أمام بناء الدولة عندما تحد منه. والتوافق فضيلة عندما نحتاج إليه، وابتزاز عندما يحتاج إليه خصومنا.
وهكذا لا تبنى المؤسسات؛ لأنها تخضع باستمرار لاختبار الولاء للمنتصر. وتزداد الأزمة خطورة عندما تدخل العشيرة. العشيرة ليست عارا في المجتمع الصومالي، وليست شيطانا يمكن طرده بخطاب وطني أو عصري. بعد انهيار الدولة حملت العشيرة وظائف الحماية والتكافل والتمثيل وحل النزاعات حين غابت المؤسسات.
لكن السياسي الصومالي اكتشف أيضا أن العشيرة يمكن أن تكون أقوى درع شخصي في معركة السلطة. يبدأ الخلاف بين سياسيين، ثم يصبح خلافا بين عشيرتين. يفقد مسؤول منصبه، فتتحول القضية إلى «استهداف للقبيلة». ينتقد سياسي، فيصور النقد كأنه إهانة لجماعته كلها.
وبهذه الحيلة الخطيرة، لا يعود السياسي ممثلا لجماعته، بل يجعل جماعته رهينة لمستقبله السياسي. وهذا أحد أكثر وجوه السعار السياسي خطورة: أن يقنع رجل واحد آلاف الناس بأن خسارته الشخصية هي خسارتهم الجماعية.
ثم هناك الفيدرالية، ذلك المشروع الذي تصور البعض أنه أنقذ الصومال من شبح العودة إلى المركزية، لكنه ظل يحمل داخله أسئلة لم تحسم. من يملك القرار الأمني؟ ومن يدير الانتخابات؟ ومن يسيطر على الموارد؟ وما حدود العلاقات الخارجية للولايات؟ وأين تنتهي سلطة الحكومة الفيدرالية؟
حين تكون هذه الأسئلة معلقة، يستطيع أي خلاف سياسي أن يرتدي ثوبا دستوريا، ثم عشائريا، ثم أمنيا. ترى الحكومة الاتحادية في بعض مواقف الولايات تمردا على سيادة الدولة، بينما ترى بعض الولايات في سياسات المركز محاولة لإعادة إنتاج الهيمنة.
والطرفان يستطيعان العثور على ما يسند روايتهما داخل بناء دستوري لم يكتمل بعد.لهذا أصبح الغموض الدستوري مخزونا هائلا من البنزين ينتظر شرارة سياسية. وليست الحكومة بريئة دائما، ولا المعارضة ضحية دائما.

