“مثل شفرتي المقص، تبدو القوى السياسية المتعارضة وكأنها تتحرك في اتجاهين متضادين. لكن مسار السلطة لا يتحدد في تباعدهما، بل في نقطة التقائهما.”
تقود التطورات الأخيرة في مقديشو إلى سؤال مهم: إذا كانت الأيام القليلة الماضية قد مثلت مرحلة من الاستنزاف السياسي، فهل تدخل الحكومة الصومالية والمعارضة الآن مرحلة المناورة السياسية؟
فالسياسة، شأنها شأن الحروب، نادراً ما تُدار بتكتيك واحد. ويمكن تشبيهها بمقص ذي شفرتين؛ قد تكون إحداهما خشنة والأخرى ناعمة، لكن أياً منهما لا تستطيع القطع بمفردها. ولا يصبح المقص فعالاً إلا عندما تلتقي الشفرتان. أما السكين، فعلى النقيض، يقطع بحافة واحدة وحركة واحدة. ويدرك الفاعلون السياسيون الناجحون أن النتائج المستدامة غالباً ما تتطلب الجمع بين الاستنزاف والمناورة معاً.
ويشبه الاستنزاف في السياسة نظيره العسكري؛ إذ يقوم على التحرك السريع لإرباك الخصم وإرهاقه وإضعافه. ويظل مفهوم “الحرب الخاطفة” (Blitzkrieg) الذي استخدمته ألمانيا خلال الحرب العالمية الثانية من أبرز الأمثلة على توظيف السرعة لتحقيق نتائج سياسية وعسكرية حاسمة.
أما المناورة، فهي نهج أبطأ وأكثر حساباً. فبدلاً من الاعتماد على السرعة والقوة، تسعى إلى إنهاك الخصوم تدريجياً عبر تقويض زخمهم السياسي وثقتهم وخياراتهم الاستراتيجية. وفي الديمقراطيات الراسخة، تُعد التحالفات المفاجئة، وإعادة الاصطفاف البرلماني، والانتخابات المبكرة من أبرز أدوات المناورة السياسية. أما في الدول النامية، فغالباً ما تؤدي التعديلات الدستورية والمساومات السياسية والحسابات العشائرية أدواراً مشابهة.
ومن هذا المنظور، يبدو أن البيئة السياسية الحالية في الصومال تشير إلى أن الحكومة الفيدرالية تستخدم كلاً من الاستنزاف والمناورة، في حين ركزت قطاعات واسعة من المعارضة على المناورة بشكل أساسي. وقد تفسر عدة عوامل هذا الاختلال. فالحكومة تستفيد من مزايا وجودها في السلطة، كما تحظى، إلى حد كبير، بدعم شعبي للاستقرار. فبعد عقود من الصراع، لا يرغب كثير من الصوماليين في العودة إلى المواجهات السياسية أو النزاعات المسلحة. وبالنسبة لقطاع واسع من الجمهور، يظل الحفاظ على حالة الهدوء النسبي في مقديشو أولوية أساسية.
ومع ذلك، فإن المعارضة نفسها تبدو بعيدة عن الوحدة. فما تزال الخلافات قائمة بشأن طبيعة الحكومة المقبلة والاستراتيجية المطلوبة لمواجهة الإدارة الحالية. وكما هي الحال غالباً في السياسة الصومالية، تستمر النقاشات المتعلقة بالمصالح العشائرية، وترتيبات تقاسم السلطة، والحسابات الانتخابية خلف الأبواب المغلقة. وتُبنى التحالفات السياسية وتُراجع وتُعاد صياغتها بشكل شبه يومي.
لكن التاريخ القريب يقدم درساً تحذيرياً مهماً. فالحسابات السياسية التي تبدو منطقية على الورق لا تترجم دائماً إلى نجاح في المشهد السياسي الصومالي المعقد. وقد أظهرت الظاهرة المعروفة باسم “وشمسي” مراراً مدى عدم قابلية السياسة الصومالية للتنبؤ وحدود الافتراضات التقليدية في تفسيرها.

