«مأسسة القبيلة حوّلتها من حل سياسي اضطراري إلى ركيزة دائمة، يصعب معها بناء جمهورية حديثة تتجاوز حدود الولاءات القبلية.» عبد الوهاب محمد عثمان
———
إن المجتمع الصومالي كان في الأصل حديث عهد بالحياة المدنية القائمة على الحكومات والنظم السياسية، إلا أنَّ المسار الذي سلكته الدولة وصولاً إلى الحرب الأهلية عام 1991م، أفرز واقعاً اتسم بتفككٍ قِبلي عميق وحالة من انعدام الثقة فيما بين القبائل الصومالية؛ ما أدى إلى تلاشي المكتسبات المؤسساتية الهشة والعودة إلى نقطة ما قبل البداية.
ويمكن الجدال بأن الأعراف السياسية التي نشأت منذ عهد مؤتمر عرتا بتقاسم القوى على الأساس القبلي كانت خطوة ضرورية لتجاوز الأزمة السياسية التي أخذت بعداً قبلياً حسب السياق السياسي الذي كان راهناً وقتئذ.
ولم يلبث الوقت طويلاً حتى أصبح للأمر بعد غير الذي أنشئ من أجله، وتحولت من سياسة اضطرارية إلى ملمح أساسي للسياسة الصومالية، وأصبح المجتمع أو حتى النخبة السياسية تتعامل مع الأمر على أنه الخيار الوحيد الذي يمثل الازدهار السياسي لهذا المجتمع، وهو ما لا أهتم به كثيراً بقدر ما أهتم بالجذور التي مهدت إلى هذه الحالة، ومناقشة المسألة بشكل أعمق من النقاش السياسي الدائر حول هذا الموضوع.
إن التعبير الأشهر للسؤال عن قبيلة الشخص في اللغة الصومالية هو: “Yaa Tahay”، والترجمة الحرفية لهذه العبارة هي “من أنت”، وهو ما أعتبره شخصياً الدلالة الأقوى على أن مسألة القبيلة متجذرة في الإنسان الصومالي بعيداً عن كونها ملمحاً سياسياً عابراً، ويظهر جلياً من تموقعاته الجغرافية المبنية على القبيلة.
وهو لا يختص به المجتمع الصومالي وحده، بل يتشارك ذلك مع المجتمعات التي تمتلك ذات المزاج الثقافي، وهي نزعة سائدة في سياسات القارة الإفريقية بأكملها، إلا أن المجتمع الصومالي تفرد بمأسسة القبيلة، وجعلها ركيزة في دساتيره، ما يدل على تفاعل مبالغ فيه لدى الإنسان الصومالي مع القبيلة.
كما هو الحال في مجتمعات الجزيرة العربية التي تنظر إلى نفسها على أنها مجتمعات قائمة على الأساس القبلي؛ لكنها ظلّت محافظة على النهج السياسي الأكثر توافقاً مع تاريخ المجتمعات القبلية، وهو ما يظهر في وجود جغرافيا واسعة، تضم دولاً ذات أحجام متباينة، رغم وجود لغة موحدة، مع شيء من الاختلافات الخفيفة التي لا تمس جوهر الثقافة، ما يمكن اعتباره الأطلال التي تركتها صراعات القبائل العربية في الجزيرة.
يتجلى ذلك الأمر في واقع المجتمع الصومالي الذي يعاني الكثير في سبيل التوفيق بين تمسكه الشديد بقبيلته، والإصرار على تأسيس دولة حديثة يمكن أن يثق بها جميع أفرادها المنتمين إلى قبائل متعددة.
يمكنني محاولة تحديد الأساس المتين الذي يجمع الرغبات السياسية للقبائل الصومالية، رغم اختلافاتها، وأزعم أن جوهر تلك الرغبات يتمثل في تحقيق العدل، والأمان، والحياة الكريمة.
وانطلاقاً من صحة هذا الزعم، أشعر بثقة عالية في مناقشة هذا الموضوع عبر طرح السؤال الأكثر أهمية في هذا السياق؛ لكن بعد أن أشارك القارئ مشاعري تجاه القبيلة التي تطورت على مدى السنين التي عشتها، وذلك من خلال هذه القصة.
قبل مدة لا تقل كثيراً عن العقدين، قدم خال لي من كندا للزيارة إلى البلاد بعد طول غياب، وكان أكثر ما يثير التساؤلات في عقلي الصغير، إصراره الشديد على تجاهل الوظيفة التي صُنعت من أجلها أزرار القمصان، حسب اعتقادي الذي كان أرسخ من سلسلة جبال غوليس، إذ كان يكثر الخروج بقمصان مفتوحة الأزرار.
بالإضافة إلى كونه أعجب كثيراً بالشاي المصنوع بحليب الإبل، الذي كانت السيدة التي تقدمه تضع السكر بشكل يوحي بأنها لم تخش يوماً من فقدان السكر؛ كان خالي يرشف من كأسه رشفة، ويضرب بالأرض رجله قائلاً بلهجته الغريبة: Home، وهكذا دواليك مع كل رشفة يرتشفها.
لا أدري ما الذي رآه في الغرب ليمنح تلك الأرض المعنى الذي كان يصعب علي فهمه حينها، إلا أن اللحظة بدت لي سانحة لأطرح عليه سؤالاً كان يزعجني، قلت له: يا خالي، ما الذي حملك على الزواج من القبيلة الفلانية؟
وهذا - على ما يظهر لي اليوم - كان ما يحيّر فتى لم يجد ما يلهمه غير الخطب التي كان يلقيها شيخ القبيلة، وما كان يتداوله أفراد القبيلة من أفكار، كنت أشعر بصدق أن الزواج من تلك القبيلة لم يكن إلا خيانة للضمير، وإساءة إلى القبيلة التي كانت تعني لي حينها ما تعني لي عيون بنتي اليوم حين تأخذني لجولة تحدثني فيها عن مكونات حقيبتها الصغيرة.
يبدو أنني نسيت لب القصة التي كنت أسردها، لكنني لم أنس إلى اليوم، - رغم عهدي القديم بذلك الموقف - الجواب الذي أعطاني خالي، وأهم من ذلك، لم أنس نظرته إلي التي لا أشعر أنني فهمت مشاعرها بطريقة دقيقة في ذلك اليوم.

