«لم يعد المطلوب أن تكون لدينا جامعات كثيرة فحسب، بل أن تكون لدينا جامعات جيدة قادرة على بناء عقول تخدم مستقبل البلاد». —- د. علي محمد صالح
وجّهتُ قبل أيام مجموعة من الأسئلة إلى السيد عبدالرحمن طاهر عثمان، أحد وزراء التربية والتعليم السابقين في الصومال، حول واقع الجامعات في البلاد، وهذا التزايد الكبير في أعدادها، وما إذا كان يمثل نهضة تعليمية حقيقية أم ظاهرة تستدعي القلق والمراجعة. وقد جاءت إجاباته صريحة، ورسمت في مجموعها صورة تستحق الوقوف عندها، وهي التي استندت إليها في كتابة هذا المقال.
وتركزت الأسئلة على ما إذا كان التوسع السريع في عدد الجامعات قد صاحبه تحسن مماثل في الجودة الأكاديمية، ومدى استيفاء المؤسسات الجامعية للحد الأدنى من متطلبات الترخيص، من حيث المرافق والمختبرات والمكتبات وكفاءة أعضاء هيئة التدريس، وأسباب عدم مواكبة منظومة ضمان الجودة لهذا النمو المتسارع في قطاع التعليم العالي.
كما تناولت الأسئلة مدى امتلاك الخريجين للمهارات والكفاءات التي يتطلبها سوق العمل، وإمكانية تعليق منح تراخيص جديدة إلى حين استيفاء الجامعات القائمة معايير الجودة، والمسؤولية التي تتحملها الحكومة وإدارات الجامعات والمجتمع عن واقع التعليم الجامعي، إلى جانب الإصلاحات والخطوات العاجلة المطلوبة لاستعادة الثقة في الجامعات الصومالية وتحسين جودتها.
وشهد الصومال خلال العقود الأخيرة انتشاراً واسعاً للجامعات، حتى تجاوز عددها، وفق بعض التقديرات، مئة وأربعين جامعة، في بلد يبلغ عدد سكانه نحو عشرين مليون نسمة.
وقد يبدو هذا الرقم في ظاهره دليلاً على الإقبال على التعليم والرغبة في النهوض، لكن كثرة الجامعات ليست في حد ذاتها دليلاً على جودة التعليم. فالسؤال الذي ينبغي أن يشغلنا ليس: كم جامعة لدينا؟ وإنما: ما مستوى هذه الجامعات؟ وماذا يتعلم فيها أبناؤنا؟ وما قيمة الشهادات التي تمنحها؟
الجامعة ليست مجرد مبنى يحمل اسماً أكاديمياً، ولا قاعات يدخلها الطلاب ثم يخرجون منها بعد سنوات بشهادات. قيمتها الحقيقية فيما تقدمه من علم، وفي كفاءة أساتذتها، وجودة برامجها، وما تملكه من مكتبات ومختبرات وبيئة تساعد على البحث والتفكير.
وهنا تظهر المشكلة؛ فالتوسع الكبير في أعداد الجامعات لم يصاحبه، في كثير من الأحيان، تطور مماثل في الجودة. هناك مؤسسات تعاني نقصاً في المكتبات والمختبرات والمرافق الأساسية، وبعضها يستعين بحملة البكالوريوس لتدريس طلاب البكالوريوس أنفسهم. وهذا وحده كافٍ لإثارة أسئلة جدية حول مستوى التعليم الذي نقدمه للأجيال القادمة.
ولا يمكن فهم هذا الواقع بعيداً عن تاريخ البلاد. فقد نشأت جامعات كثيرة في سنوات كانت فيها مؤسسات الدولة ضعيفة أو غائبة، وعانى الصومال الحرب وعدم الاستقرار وهجرة أعداد كبيرة من الكفاءات الأكاديمية.
وفي ظل غياب رقابة قوية ومعايير واضحة للاعتماد، دخل العامل التجاري بقوة إلى مجال التعليم العالي، حتى أصبح إنشاء الجامعة عند بعض المستثمرين مشروعاً اقتصادياً قبل أن يكون مشروعاً علمياً.
والمشكلة تبدأ حين يصبح عدد الطلاب أهم من مستواهم، وتصبح الرسوم أهم من جودة التدريس، وتتحول الشهادة إلى غاية في ذاتها. عندها قد نجد أنفسنا أمام أعداد كبيرة من الخريجين، لكن سوق العمل لا يجد في بعضهم المهارات التي يحتاج إليها.
وليس من العدل أن يقضي الشاب أربع سنوات من عمره، وينفق أهله ما يستطيعون، ثم يكتشف بعد التخرج أن شهادته لا تمنحه القدرة الكافية على المنافسة في سوق العمل.

