ترجّل الفارس الأديب، البروفيسور علي جِمْعالي أحمد، عن عالمنا بجسده بعد معاناةٍ مع المرض، حيث وافته المنية يوم الأربعاء الموافق 1 أبريل 2026م. غير أنّ هذا الرحيل لم يكن إلا غيابًا للجسد، أما حضوره فباقٍ لا يغيب.
سيظل – رحمه الله – حيًّا في ذاكرة طلابه ومحبيه، حاضرًا في كل سطرٍ كتبه، وفي كل فكرةٍ غرسها في عقول تلاميذه. بل صدق الإعلامي الصومالي علي حلني حين قال: “يرحل وقد أتمّ مهمته في أن يكون صوتًا لمن لا صوت لهم، ومترجمًا بارعًا لأوجاع وآمال شعبٍ مشتت.”
وكيف لا يكون كذلك، وقد خلّف وراءه إرثًا ثقافيًا ونقديًا ثريًا، أسهم في إثراء المشهد الأدبي والفكري، ليس في الصومال فحسب، بل في فضاءات أوسع من العالم. فقد كان الدكتور علي جمعالي أحمد باحثًا متعمقًا، وكاتبًا مبدعًا، وشاعرًا مرهف الإحساس، ومحاضرًا جامعيًا مؤثرًا، ويُعدّ من أبرز الشخصيات الإبداعية والأكاديمية الصومالية ذات الحضور العالمي.
وقد عُرف – رحمه الله – بلطفه وتواضعه، والتزامه الديني، مما أضفى على شخصيته بعدًا إنسانيًا رفيعًا، وجعله نموذجًا للعالم الأديب الذي جمع بين العلم والخُلق. رحم الله البروفيسور علي جمعالي أحمد، وجعل أثره الباقي صدقةً جارية، وذكراه نورًا في دروب تلاميذه ومحبيه.
ولادته ونشأته:
وُلد علي جمعالي أحمد في مقديشو في 17 أبريل 1954، وبدأ الطفل الصغير حياته التعليمية كما يبدأ أي طفل في منطقة القرن الإفريقي، فالتحق بخلوة القرآن الكريم المعروفة لدى أهل الصومال بـ”الدكسي”، كما هو حال المسلمين في كل مكان. ثم بعد ذلك بدأ مرحلة جديدة من حياته العلمية، وذلك بانضمامه إلى التعليم النظامي، من المرحلة الابتدائية حتى الثانوية.
وبعد تخرجه في المرحلة الثانوية في سبعينيات القرن الماضي، دخل معسكر حلني للتدريب، ثم التحق ببرنامج مساعدة المناطق الريفية المتضررة من الجفاف في تلك الحقبة، وعمل في مخيم للاجئين متضررين من الجفاف، بلغ عددهم 24 ألفًا، في ناحية “جهان” بمنطقة جلجدود. وقد أثرت هذه المحنة الكبيرة في نفسية جمعالي وهو في ريعان شبابه، إذ كان حينها في نحو الثامنة عشرة من عمره.
ومهما يكن، فإن السيد علي جمعالي واصل دراسته، فالتحق بكلية التربية في “لفولي” بالصومال، وحصل على شهادة البكالوريوس من قسم اللغات والأدب الإنجليزي. وفي عام 1982 اتخذت حياة علي جمعالي منحًى آخر عندما هاجر إلى الولايات المتحدة، باحثًا عن العلم والمعرفة، ولم يكن مهاجرًا عاديًا يبحث عن الرفاهية، بل كان متعطشًا للعلم، كما كان منفيًا فكريًا يحمل معه جراح وطن بدأ يتمزق تحت وطأة الاستبداد.
ومن حسن حظه أنه وجد في لوس أنجلوس بغيته، حيث انضم إلى الأروقة العلمية هناك، وتسلح بسلاح العلم والمعرفة، سواء بإتمامه مراحل الدراسات العليا، أو تقلده مهنة التدريس في المعاهد والجامعات، وغير ذلك من العمل الأكاديمي. وعلى كل حال، وصل جمعالي إلى أمريكا، وهناك أكمل مراحل تعليمه، حيث حصل على درجة الماجستير، ثم الدكتوراه في الفلسفة من جامعة كاليفورنيا، لوس أنجلوس.
الإبداع الأدبي
البروفيسور علي جمعالي أحمد لم يكن مجرد أديب أو شاعر يقرض الشعر، وإنما كان عالمًا موسوعيًا وأديبًا ناقدًا جمع بين التخصص الأكاديمي العميق والحسّ الإبداعي الرفيع. وقد تميز – رحمه الله – بحسٍّ أدبي مرهف، ورؤية نقدية عميقة، جعلته قادرًا على إنتاج أعمال أدبية ونقدية ذات قيمة علمية وإنسانية كبيرة. فلم يقتصر عطاؤه على الشعر، بل امتد إلى كتابة القصة القصيرة، والدراسات النقدية الرصينة، مما جعله أحد أعمدة الأدب والفكر الصومالي المعاصر، بل ومن الشخصيات الأكاديمية ذات الحضور العالمي.
شغل البروفيسور علي جمعالي أحمد منصب أستاذ أول للأدب المقارن في كلية كوينز ومركز الدراسات العليا التابع لجامعة مدينة نيويورك، حيث قام بتدريس مقررات في الأدب الإفريقي، والشرق أوسطي، والأوروبي. وقد أسهم من خلال عمله الأكاديمي في بناء جسور معرفية بين الثقافات المختلفة، وتعزيز الفهم المتبادل بين الشعوب.
ورغم تركيزه على تخصص الأدب المقارن، فإن اهتماماته امتدت إلى مجالات متعددة، منها الفلسفة، والنقد الثقافي، والدراسات الإفريقية، الأمر الذي جعل إنتاجه العلمي متنوعًا وعميقًا في آنٍ واحد. وقد تُوّجت مسيرته العلمية بعدد من الجوائز المرموقة، من أبرزها حصوله عام 1994م على جائزة أكاديمية تقديرًا لتميزه في البحث العلمي، إضافة إلى جائزة رئيس الجامعة للتميز في التدريس، التي جاءت اعترافًا بقدرته الفريدة على التأثير في طلابه وبناء وعي نقدي لديهم.
كما كان عضوًا نشطًا في عدد من الهيئات العلمية، من بينها الجمعية الدولية للدراسات الصومالية (SSIA)، وجمعية الدراسات الإفريقية، فضلًا عن عضويته في المجلس التنفيذي لمحرري مجلة الدراسات الصومالية (JOS).
ومن بين أعماله البارزة كتب:
Daybreak is near – the politics of emancipation in Somali literature, clans, and the nation-state
الفجر قريب: الأدب والعشائر والدولة الوطنية في الصومال
وهو كتاب تحدث فيه المؤلف عن الأدب، والعشيرة، والدولة في الصومال، ويقدم تحليلًا مثيرًا للتفكير حول قضايا عديدة، كالعرق الصومالي، والشعراء، والحكايات الشعبية، ودور الطوائف الدينية في ديناميكيات الصومال التاريخية.
كما يؤكد المؤلف على التنوع داخل المجتمع الصومالي، مستكشفًا الاختلافات الثقافية واللغوية والتاريخية بين بعض القبائل، وهي حقائق كانت غير مكتشفة بالنسبة لكثيرين. وهذه الدراسة ضمن دراسات وبحوث قدمها كوكبة من الباحثين الصوماليين، وقد قام بإخراجها وترتيبها البروفيسور علي جمعالي أحمد في عام 1996.
يرى البروفيسور علي جمعالي أن للأدب قدرة على التأثير في السياسة أو تدميرها. فالقبيلة بنية ثقافية معقدة لا يمكن اختزالها في نظرية بسيطة. وفي الكتاب، يتضح أن البروفيسور علي كان يعتقد أن مشكلة الصومال اليوم تنبع من مزيج غير متجانس بين الثقافة والحكومة. وكانت الرسالة التي يمكن استخلاصها من الكتاب أن التغيير في الصومال ممكن من خلال فهم أدب المجتمع، وكيف تؤثر القبيلة في تفكير الفرد، وتجاوز المفاهيم القبلية التقليدية.
The Road Less Traveled
Reflections on the Literatures of the Horn of Africa
الطريق الأقل سلوكًا: تأملات في آداب القرن الإفريقي
ويتطرق هذا الكتاب إلى موضوعات التقليد الشفهي، والأدب الإفريقي، والتاريخ والنقد في القرن العشرين.




