يمثل إقرار المادة 63 من الدستور المعدل لجمهورية الصومال الفيدرالية مرحلة جديدة ومهمة في تحديد الوضع الدستوري لمدينة مقديشو وإقليم بنادر. فلطالما كانت مسألة موقع العاصمة ضمن النظام الفيدرالي الصومالي واحدة من أكثر القضايا حساسية في مسار الفيدرالية في البلاد.
وقد طرحت النقاشات السابقة ثلاثة نماذج محتملة: تحويل مقديشو إلى ولاية عضو في الاتحاد الفيدرالي، أو إلحاقها بإحدى الولايات الفيدرالية القائمة، أو اعتبارها مدينة فيدرالية تُدار مباشرة من قبل الحكومة المركزية. غير أن المادة 63 التي تم إقرارها حديثاً لم تعتمد أيًّا من هذه النماذج بشكل كامل، بل قدمت صيغة متوازنة ومبتكرة تجمع بين الحكم المحلي الديمقراطي والإشراف الفيدرالي.
وتنص المادة على أن يكون للعاصمة مجلس للعاصمة، وسلطة تنفيذية، ونظام قضائي. وسيتم انتخاب مجلس العاصمة بشكل مباشر من قبل سكان مديريات إقليم بنادر. ويعد هذا تحولاً كبيراً عن النظام السابق الذي كان فيه عمدة مقديشو يُعيَّن مباشرة من قبل رئيس الجمهورية أو الحكومة الفيدرالية.
وبموجب النص الجديد، سيقوم مجلس العاصمة بانتخاب عمدة العاصمة ونوابه، الأمر الذي يعزز مبدأ المساءلة السياسية المنبثقة من التمثيل الشعبي.
كما تُدخل المادة 63 تغييراً مهماً آخر، إذ سيحصل إقليم بنادر على تمثيل في مجلس الشيوخ بالبرلمان الفيدرالي. وعادة ما يمثل مجلس الشيوخ الولايات الأعضاء في النظام الفيدرالي، وبالتالي فإن هذه الخطوة تعزز الدور السياسي لمقديشو في عملية صنع القرار على المستوى الفيدرالي، رغم أنها لا تُعد ولاية فيدرالية بشكل رسمي.
وفي الوقت ذاته، يحافظ الدستور بوضوح على صلاحيات الحكومة الفيدرالية فيما يتعلق بالعاصمة. إذ ستظل الحكومة الفيدرالية مسؤولة عن الأمن والسياسات الوطنية في العاصمة، وهو ما يعكس أهمية مقديشو باعتبارها رمزاً للوحدة الوطنية.
كما ستقوم الحكومة الفيدرالية بتعيين مسؤول رفيع يمثل المصالح الفيدرالية في العاصمة وإقليم بنادر. وبهذا ينشأ نظام إدارة مزدوج يجمع بين قيادة محلية منتخبة وممثل فيدرالي معين من قبل الحكومة المركزية.
ومن منظور المقارنة الدستورية، فإن هذا النظام الجديد يشبه النماذج التي تعتمدها بعض الدول الفيدرالية الأخرى في إدارة عواصمها.
فعلى سبيل المثال، تُعد واشنطن العاصمة في الولايات المتحدة مقاطعة فيدرالية تخضع مباشرة لسلطة الكونغرس. ورغم وجود عمدة منتخب ومجلس محلي، فإن السلطة النهائية لا تزال بيد الكونغرس، كما لا تتمتع المدينة بتمثيل كامل في مجلس الشيوخ.
أما برلين في ألمانيا فهي نموذج مختلف، إذ تُعد مدينة-ولاية كاملة ضمن النظام الفيدرالي، ولها برلمانها الخاص وحكومتها وسلطاتها الأمنية الكاملة.
كما يظهر نموذج آخر في مدينة كانبيرا الأسترالية الواقعة في إقليم العاصمة الأسترالية، حيث يوجد مجلس تشريعي وحكومة محلية، إلا أن البرلمان الفيدرالي يحتفظ بسلطة تجاوز قوانينها.
وبالمثل، تُدار أبوجا، عاصمة نيجيريا، مباشرة من قبل الحكومة الفيدرالية بوصفها إقليماً اتحادياً للعاصمة، رغم أن سكانها يتمتعون بتمثيل في البرلمان الوطني.




