ظلّ الصومال لسنوات طويلة يمر بمرحلة صعبة تتعلق بإعادة بناء مؤسسات الدولة، واستعادة الأمن، وتعزيز الديمقراطية، وتقوية الوحدة الوطنية. ورغم التقدم الذي تحقق خلال السنوات الأخيرة، فإن تحديات كبيرة ما تزال تعيق بناء دولة مستقرة قائمة على ثقة المواطنين والتماسك الوطني.
ومن بين أهم القضايا التي تستحق نقاشاً وطنياً جاداً اليوم، كيفية تقييم السياسيين والقادة الساعين إلى السلطة.
فعلى مدى سنوات طويلة، ارتبطت السياسة الصومالية بالمصالح القبلية والطموحات قصيرة المدى والتحالفات السياسية التي غالباً ما افتقرت إلى رؤية وطنية حقيقية. كما تراجع التدقيق الشعبي في سجل السياسيين، خصوصاً فيما يتعلق بحقوق الإنسان، والأمن الوطني، والديمقراطية، وحماية وحدة البلاد، والاستقلال عن التدخلات الخارجية.
ولا يمكن لأي دولة أن تبني ديمقراطية حقيقية ما لم يمتلك مواطنوها الوعي الكافي لتقييم من يسعون إلى قيادتها. فالسؤال الحقيقي لا ينبغي أن يكون فقط: من يريد السلطة؟ بل ماذا قدم هذا الشخص لحماية المواطنين، وتعزيز السيادة الوطنية، وتحقيق الأمن، وتطوير الحكم الديمقراطي؟
ويجب على الصوماليين أن يطرحوا أسئلة جادة على كل من يسعى إلى قيادة البلاد.
هل يمتلك هذا السياسي سجلاً في حماية حقوق المواطنين؟ وما دوره في تعزيز الأمن الوطني ومحاربة التطرف والعنف؟ وهل ساهم في بناء مؤسسات وطنية تخدم الشعب، أم أضعفها لخدمة مصالح سياسية ضيقة؟
ولا يقل عن ذلك أهمية موقف السياسي من الديمقراطية.
فهل يؤيد انتخابات تقوم على مبدأ «شخص واحد، صوت واحد»؟ وهل يحترم الدستور وسيادة القانون؟ وهل يستطيع تقبل المعارضة وحرية التعبير والتعددية السياسية؟
فالديمقراطية ليست مجرد شعار انتخابي. والسياسي الذي يتحدث عن الديمقراطية بينما يقمع الأصوات المعارضة أو يرفض الرأي المختلف، لا يمكن اعتباره ديمقراطياً حقيقياً.
أما الأمن، فيظل أساس أي دولة مستقرة. ولذلك يجب تقييم أي سياسي يسعى إلى القيادة الوطنية بناءً على مساهمته في حفظ الأمن العام، وتقوية المؤسسات الوطنية، ودعم القوات المسلحة، ومحاربة الإرهاب، وحماية المدنيين وحقوقهم.
كما عانى الصومال تاريخياً من التدخلات الخارجية التي أثرت سلباً على السياسة الداخلية. صحيح أن التعاون الدولي أمر مهم، لكن هناك فرقاً كبيراً بين الشراكة الدبلوماسية والتبعية السياسية.
فعندما يقدّم السياسي المصالح الخارجية على المصالح الوطنية، تتراجع ثقة الشعب، وتضعف السيادة، وتتضرر الوحدة الوطنية. أما القائد الوطني الحقيقي فهو الذي يستطيع بناء علاقات دولية متوازنة دون التفريط في استقلال القرار الصومالي.
ومن هنا، لا ينبغي قياس الوطنية بالخطب الحماسية أو الشعارات العاطفية وحدها، بل بالأفعال. فالوطنية الحقيقية تعني حماية النظام الدستوري، وصون الحريات العامة، والحفاظ على الوحدة الوطنية، وتقوية مؤسسات الدولة، والدفاع عن كرامة الوطن.

