في مسيرتي الصحفية التي تمتد لأكثر من ثلاثة عقود، أجريت مقابلات مع عدد لا يُحصى من السياسيين الصوماليين. بعضهم تربطني بهم صداقة قديمة أو معرفة حديثة، وبعضهم الآخر جمعتني بهم المهنة، لأنهم ببساطة كانوا صانعي القرار أو صانعي الأخبار. ومع طول التجربة، اكتشفت أن أصعب ما يواجه الصحفي ليس الوصول إلى السياسي، بل الوصول إلى الحقيقة من فمه.
السياسي الصومالي بارع في الحديث، متقن لفنّ التبرير، يجيد المراوغة كما يجيد التبسم أمام الكاميرا. يتحدث باسم الشعب، لكنه في الغالب يقصد نفسه أو حزبه أو عشيرته. كل كلمة عنده محسوبة، لا على ميزان الصدق، بل على ميزان المصلحة. ولذا أنصح كل صحفي شاب: لا تفرح حين يفتح لك السياسي بابه، ولا تنخدع بابتسامته، فغالبًا ما يفتحها ليُغلق أمامك أبواب الحقيقة.
كنتُ، وما زلتُ، أجد مشقة في انتزاع المعلومة الحقيقية من السياسيين، ومع ذلك كنت ألتزم بنقل ما يقولون كما هو، احترامًا لقواعد المهنة. الصحفي ليس قاضيًا للحقيقة، بل ناقلًا لما يُقال، أما التمييز بين الصدق والزيف فمهمة القارئ الواعي.
عندما أتابع خطابات السياسيين الصوماليين، سواء في السلطة أو المعارضة أو في المنطقة الرمادية بينهما، أجد نفسي أتنقل بين الواقع والخيال. أعرف كثيرين منهم عن قرب، وأدرك أن لهم شخصيات متعددة: شخصية رسمية متزنة أمام الكاميرا، وأخرى متناقضة في المجالس الخاصة، وثالثة حقيقية لا يراها أحد. فأقف أحيانًا بين احترام ذكائهم واحتقار مراوغتهم.
خلاصة تجربتي أن السياسي الصومالي، في أحسن أحواله، يقول نصف الحقيقة فقط. أما النصف الآخر فمزيج من الكتمان، والمبالغة، والمناورة. لذلك، حين تجلس مع سياسي أو تستمع إلى خطابه، افترض منذ البداية أن خمسين بالمئة مما يقوله غير دقيق، ثم ابحث بذكائك عن النصف الآخر الذي يُخفيه.
وقد لا أكون قاسيًا إذا قلت لكم: لا تستغربوا الكذب من السياسيين، سواء كانوا في السلطة أو خارجها، ولا تغضبوا منهم، لأن الكذب جزء من حياتهم ومهنتهم. فقط اعرفوا أنهم يكذبون، وتعاملوا معهم ومع تصريحاتهم على هذا الأساس.

