منذ أكثر من عقدين، تطرح مجموعة شرق أفريقيا (EAC) واحدة من أكثر مشاريع التكامل الإقليمي طموحًا في القارة: اتحاد جمركي، وسوق مشتركة، واتحاد نقدي، وصولًا إلى اتحاد سياسي. وعلى الورق، تبدو المنطقة من بين أكثر التكتلات تقدمًا في أفريقيا.
لكن على أرض الواقع، ظل التقدم غير متوازن، تدريجيًا، وكثيرًا ما شابه التأخير. ولم يعد السؤال اليوم ما إذا كان التكامل مرغوبًا، بل لماذا تأخر تحققه.
هواجس السيادة في مواجهة الطموح الإقليمي
في صميم هذا البطء يكمن تناقض مألوف: قادة يعلنون دعمهم للتكامل علنًا، لكنهم يتحفظون عمليًا حين يتعلق الأمر بالتنازل عن جزء من السيادة الوطنية.
فالتكامل الحقيقي يتطلب تقاسم أدوات السياسة الاقتصادية، من التعرفة الجمركية والسياسات النقدية إلى أنظمة الهجرة والمعايير التنظيمية. غير أن الضغوط السياسية الداخلية غالبًا ما تتغلب على الالتزامات الإقليمية.
تتردد الحكومات في فتح أسواقها بالكامل أو توحيد لوائحها عندما يهدد ذلك صناعاتها المحلية بمنافسة أقوى من داخل الإقليم. وقد أدى هذا التوتر مرارًا إلى إبطاء تنفيذ بروتوكولات السوق المشتركة، خصوصًا فيما يتعلق بحرية تنقل العمالة والخدمات. فالإطار القانوني موجود، لكن تفعيله يتطلب إرادة سياسية قادرة على تحمّل كلفة داخلية ليست دائمًا متاحة.
اقتصادات غير متكافئة ومكاسب غير متوازنة
تضم المجموعة اقتصادات متفاوتة الحجم والبنية، من كينيا وتنزانيا وأوغندا ورواندا وبوروندي وجنوب السودان وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وصولًا إلى الصومال حديثًا.
وغالبًا ما يُنظر إلى الاقتصاد الكيني الأكثر تنوعًا على أنه المستفيد الأكبر من انفتاح الحدود، ما يثير تصورات – عادلة أو مبالغًا فيها – بوجود اختلال في توزيع المكاسب.
وعندما تشعر بعض الدول بأن الفوائد غير متكافئة، تتصاعد النزعات الحمائية. فتظهر الحواجز غير الجمركية، وتتكرر الخلافات التجارية، وتتعطل الإجراءات الإدارية. وكلها عوامل تُبطئ الزخم وتضعف الثقة في المشروع التكاملـي.
فجوات في القدرة المؤسسية
التكامل ليس قرارًا سياسيًا فحسب، بل عملية تقنية معقدة. فهو يتطلب أنظمة جمركية منسقة، ومنصات رقمية قابلة للتشغيل البيني، ولوائح موحدة، وآليات فعالة لتسوية النزاعات.
غير أن القدرات المؤسسية تختلف بشكل كبير بين الدول الأعضاء. فبعضها حدّث بنيته التحتية الحدودية ورقمن أنظمة الهجرة، بينما لا تزال أخرى تواجه قيودًا مالية وإدارية.
ومن دون تطوير متزامن لهذه القدرات، يصبح التنفيذ متدرجًا وغير متكافئ. لذلك تتأخر الجداول الزمنية الطموحة، مثل مشروع العملة الموحدة، عندما لا تتحقق معايير التقارب المالي المطلوبة.
التوسع قبل ترسيخ الأسس

