يثير الإعلان الإسرائيلى بالاعتراف بما يسمى «أرض الصومال»، دولة مستقلة، أسئلة تتجاوز الإطار الصومالى، لتلامس جوهر التوازنات الإقليمية فى القرن الإفريقى، فالقضية هنا لا تتعلق بوضع إقليم انفصالى فحسب، بل تمس مبدأ تأسيسيا، يحكم العلاقات بين الدول: هل ما زال احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، قاعدة ناظمة للسلوك الدولى؟ أم بات خاضعا لاختبارات القوة وموازين الاصطفاف السياسى؟
منذ نهاية الحرب الباردة، شهد النظام الدولى تحولات متسارعة، أضعفت مناعة قواعده التقليدية، إذ تراجع منطق الشرعية الجماعية لحساب خطوات أحادية تتخذها قوى إقليمية أو دولية، غالبا تحت ذرائع أمنية أو سياسية ظرفية، وفى هذا المناخ، لم يعد الاعتراف بإقليم انفصالى حالة استثنائية نادرة، بل أضحى مؤشرا على اتجاه أوسع، يختبر حدود النظام القائم، ويقيس مدى قدرته على الحفاظ على تماسكه وقواعده العامة.
يندرج الاعتراف الإسرائيلى بأرض الصومال، ضمن هذا السياق العام، إذ لا يستند إلى أى مسار قانونى دولى معترف به، ولا يقوم على توافق إقليمى أو سند أممى، بل يمثل خطوة سياسية منفردة تعمق الانقسام القائم، وتؤجج النزاعات الداخلية، وتمنحها غطاء سياسيا موهوما بالغ الخطورة، وبصرف النظر عن الدوافع المعلنة أو المستترة، فإن هذه الخطوة تفتح الباب أمام سابقة يصعب ضبط تداعياتها، إذا جرى التعامل معها بوصفها أمرا واقعا.
من الناحية القانونية، لا يكتنف وضع أرض الصومال أى لبس، فالإقليم لم يحظ باعتراف دولى، ولم يستوف شروط الدولة ذات السيادة، كما يحددها القانون الدولى، وفى مقدمتها شرط الاعتراف الواسع والقبول ضمن الإطار الدولى، كما أن حدود الصومال، بوصفه دولة عضوا فى الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقى، معترفا بها دوليا، ولا يجوز تعديلها أو المساس بها بقرار أحادى من دولة أخرى. وعليه، فإن أى محاولة للالتفاف على هذا الإطار، تمثل خرقا صريحا لمنطق الشرعية الدولية.
غير أن خطورة هذه الخطوة لا تقف عند حدودها القانونية، فالقرن الإفريقى يشكل إحدى أكثر المناطق حساسية فى العالم، نظرا لموقعه الإستراتيجى المشرف على البحر الأحمر وباب المندب، وارتباطه المباشر بأمن الملاحة الدولية والتجارة العالمية، وأى توتر سياسى أو أمنى فى هذه المنطقة، سرعان ما تتجاوز تداعياته الحدود المحلية، لتطال مصالح قوى إقليمية ودولية على حد سواء.
فى هذا الإطار، يصبح الاعتراف بإقليم انفصالى، عاملا إضافيا لزعزعة الاستقرار، فبدلا من دعم مسارات بناء الدولة وتعزيز المؤسسات الوطنية، يجرى تشجيع منطق التفكيك، بما يحمله من مخاطر إعادة إنتاج الصراع بأشكال جديدة، وتجارب المنطقة، من القرن الإفريقى إلى الساحل الإفريقى، تؤكد أن الكيانات التى تنشأ خارج إطار التوافق الوطنى، غالبا ما تتحول إلى بؤر هشاشة، لا إلى دول مستقرة وقادرة على الاستمرار.
ولا يمكن فصل هذه الخطوة عن سياق التنافس الإقليمى والدولى المحتدم فى القرن الإفريقى، فالمنطقة تشهد سباقا محموما على النفوذ، يتخذ أشكالا متعددة، من القواعد العسكرية إلى الاتفاقات الاقتصادية والسيطرة على الموانئ، وفى مثل هذا المناخ، يتحول الاعتراف السياسى إلى أداة ضمن أدوات الصراع الجيوسياسى، لا إلى تعبير عن التزام بالقانون الدولى أو دعم فعلى للاستقرار.
كما لا يمكن قراءة هذا الاعتراف، بمعزل عن حسابات إسرائيل الإستراتيجية فى البحر الأحمر، والقرن الإفريقى، فالكيان الإسرائيلى ينظر إلى الإقليم، برغم كونه جزءا من الدولة الصومالية المعترف بها دوليا، ولا يخضع لسيطرة الحكومة المركزية، بوصفه مساحة قابلة للاختراق السياسى والأمنى، تتيح له موطئ قدم إضافيا فى منطقة بالغة الحساسية. ويأتى ذلك فى سياق سعى إسرائيل إلى توسيع نطاق حضورها جنوب البحر الأحمر، ومراقبة الممرات الحيوية، فضلا عن موازنة نفوذ قوى إقليمية منافسة. ومن هذا المنظور، لا يمثل الاعتراف دعما لحق تقرير المصير، بقدر ما يعكس توظيفا سياسيا، يخدم أهدافا جيوسياسية وأمنية.
من هنا، يكتسب الرفض الإقليمى، ولا سيما المصرى والعربى، أهمية خاصة، فالموقف المصرى الرافض للاعتراف، لا ينطلق من اعتبارات تضامنية فحسب، بل من قراءة إستراتيجية، ترى فى وحدة الصومال جزءا لا يتجزأ من منظومة أوسع لحماية أمن البحر الأحمر والقرن الإفريقى. فاستقرار هذه المنطقة يرتبط ارتباطا عضويا بالأمن القومى لدول الإقليم، وأى خلل فيها ينعكس مباشرة على توازنات أشمل.

