«لم يخطر ببالنا يومها أن أحدًا سيسمي هذا كله بالقوة الناعمة؛ بالنسبة إلينا، كانت المسألة أبسط من ذلك: ندفع ثمن التذكرة ونجلس في الظلام، ونقضي ساعتين في بلد بعيد، ثم نخرج لنجد مقديشو في انتظارنا» عبد الرحمن محمد غوري
بالأمس، مررت أمام سينما بنادر في حي «حمروين» العتيق، فوجدت نفسي أتوقف عند بابها المغلق. لم أدرِ ماذا ينتظر هذا المبنى الذي تصدعت جدرانه. وعادت إلى ذاكرتي صورة العم حسن Arreey، ناظر السينما، وهو يقف عند مدخلها ليفحص تذاكر الداخلين واحدةً تلو الأخرى.
كنا نحاول أحيانًا الدخول بتذكرة استُعملت من قبل؛ نمسح بأصابعنا مكان تمزيقها، ونفرد الورقة حتى تبدو سليمة، ثم نقدمها إليه بثقة مصطنعة. لكنه كان يكتشف الحيلة من النظرة الأولى. ومع ذلك، لم يكن يطردنا دائمًا؛ فقد كان يعرف أحوال الفتيان وشدة تعلقهم بالسينما، ويسمح أحيانًا لمن لا يملك ثمن التذكرة بالدخول مجانًا.
لم يكن العم حسن بحاجة إلى أن يسألنا عمّا في جيوبنا. فقد أدرك أن العودة إلى البيت بينما يدخل الأصدقاء لمشاهدة الفيلم خيبة يصعب على فتى احتمالها. ولم ندرك يومها مقدار الرحمة في تصرفه؛ إذ شغلتنا الأفلام عن التفكير في الرجل الذي أتاح لنا مشاهدتها.
توفي العم حسن قبل نحو ثلاثين عامًا، لكنني كلما تذكرت سينما بنادر رأيته واقفًا عند المدخل، وأدركت أن طيبته كانت جزءًا من جمال المكان.
أمضينا في تلك السينما أجمل ساعات شبابنا، وتعرّفنا من مقاعدها إلى بلدان لم نكن نعرف عنها إلا القليل. وكانت أفلام رعاة البقر من أحب ما نشاهد، خصوصًا أفلام «الويسترن سباغيتي» التي أخرجها الإيطالي العظيم سيرجيو ليوني، واشتهر بها العملاقان «كلينت إيستوود» و«لي فان كليف».
أحببنا إيستوود لأنه لا يتكلم كثيرًا، ولأنه يستطيع أن يخيف خصمه بمجرد النظر إليه. أما فان كليف، فكان يكفي أن يظهر بعينيه الضيقتين ووجهه الحاد حتى نتوقع وقوع مشكلة. لم نكن نفهم لماذا يطيل ليوني تصوير الوجوه والأيدي قبل إطلاق النار، لكننا كنا نتابع تلك اللحظات باهتمام شديد، وننتظر موسيقى «إنيو موريكوني» التي صارت جزءًا من متعتنا بالأفلام.
لا تزال في ذاكرتي ثلاثية الدولار: «حفنة من الدولارات»، و«من أجل بضعة دولارات أكثر»، و«الطيب والشرس والقبيح». وأذكر أننا كنا نخرج من السينما ونحاول تقليد مشية إيستوود ونظراته. وربما وضع أحدنا عودًا في فمه بدلًا من السيجار، وكنا نضحك على بعضنا إذا بالغ أحدنا في تقليد البطل.
ومن الأفلام التي لا تزال بعض مشاهدها عالقة في ذاكرتي «حدث ذات مرة في الغرب»، لتشارلز برونسون، الذي يعود لينتقم لأخيه من قاتله هنري فوندا. ولم أنسَ مشهد المواجهة الأخيرة، حين يضع برونسون آلة الهارمونيكا في فم خصمه، ليذكّره بما فعله بأخيه قبل سنوات.
بعد ذلك، أخذنا جيمس بوند، العميل 007، إلى عالم مختلف تمامًا: سيارات سريعة، وملابس أنيقة، ومطاردات، ونساء جميلات، وأسلحة صغيرة تفعل أشياء عجيبة. شاهدنا أكثر من ممثل يؤدي الشخصية، لكنني بقيت أفضل السير «شون كونري» على الجميع؛ فقد كان يدخل في أخطر المغامرات ويخرج منها كأنه عائد من نزهة قصيرة. والأغرب أن بدلته ظلت أنيقة مهما حدث له.
ومن نجوم السينما الإيطالية الذين أحببناهم «ماوريتسيو ميرلي»، صاحب الشارب الكثيف. شاهدناه في أفلام «Roma violenta» و«Napoli violenta» و«Roma a mano armata»، وكانت مطارداته في شوارع روما ونابولي لا تنتهي.
وكان ل«بود سبنسر» و«تيرنس هيل» مكان خاص عندنا. كنا نخطئ في نطق اسم الأول فنقول «بوتس بانجر»، وظل هذا الاسم عالقًا في ذاكرتنا حتى اليوم. جعل هذان الممثلان الضرب واللكمات مادةً للضحك لا للخوف؛ تبدأ المشاجرة في مطعم أو حانة، وتنتهي بعدما تتحطم الكراسي والطاولات، فيما يخرج الجميع على أقدامهم، كأن ما جرى لم يكن إلا لعبة. وكان الجمهور يضحك من قلبه، خصوصًا عندما يوجه بود سبنسر لكمة واحدة فيسقط أمامه أكثر من رجل.

