«الوطن أكبر من السياسيين، والدين أكبر من العلماء، وأخطر ما يصيب القيم أن تتحول من أمانة للمجتمع إلى غطاء للمصالح.» علي حلني
أثار الزميل والنائب في البرلمان الصومالي محمد إبراهيم معلمو، في مقاله الأخير عن التنوع ومستقبل المدن الصومالية، قضية تستحق أن نتوقف عند أحد جوانبها الإنسانية طويلا. فقد كتب عن المدن التي كانت تجمع أبناء عشائر ومناطق مختلفة، وكيف أفقدتها الحرب الأهلية والصراعات العشائرية جزءا من تنوعها وحيويتها وذاكرتها المشتركة.
لكن مقاله أثار لدي سؤالا آخر: إذا كانت المدن قد خسرت سكانها وتنوعها، فماذا خسر أولئك السكان عندما خسروا مدنهم؟
ماذا حدث للإنسان الذي استيقظ ذات يوم ليجد أن المدينة التي ولد فيها، ودرس في مدارسها، ولعب في أزقتها، وعمل في أسواقها، وتزوج وربى أبناءه فيها، لم تعد مكانا آمنا له، لا لشيء فعله، وإنما بسبب اسمه أو عشيرته؟ وماذا يحدث له حين يقال له إن عليه أن يرحل إلى مدينة أخرى لأنها «منطقة عشيرته»، رغم أنه ربما لم يعش فيها يوما؟
هذه، في تقديري، واحدة من أكثر المآسي الإنسانية تعقيدا التي خلفتها الحرب الأهلية الصومالية، وأقلها نقاشا. فقد فر كثيرون إلى مناطق ترتبط بعشائرهم بحثا عن الأمان. لكن الانتماء العشائري شيء، والانتماء إلى المكان شيء آخر تماما.
قد يكون الرجل من عشيرة ترتبط تاريخيا بمدينة معينة، لكنه ولد في مقديشو، أو كيسمايو، أو مركا، أو بيدوا، وعاش فيها أربعين أو خمسين عاما. هناك مدرسته وأصدقاؤه وجيرانه وعمله وذكرياته وقبور أحبائه. وقد لا يكون قد زار المنطقة التي ينسب إليها أجداده إلا مرات قليلة، وربما لم يزرها قط.
ثم تأتي الحرب لتعيد تعريفه.
فجأة، لا يعود المكان الذي عاش فيه طوال حياته كافيا لإثبات انتمائه إليه. يصبح النسب أهم من الذاكرة، والعشيرة أقوى من الجيرة، ويطلب منه أن يتجه إلى مكان آخر يفترض أنه «موطنه» لأنه موطن عشيرته.
لكن ماذا يعني أن تصل إلى وطن يفترض أنه وطنك، ولا تعرف شوارعه؟
ماذا يعني أن تكون بين أشخاص يقال إنهم «أهلك»، بينما لا تعرف أسماء أحيائهم، ولا تاريخ مدارسهم، ولا حكايات أسواقهم، ولا العلاقات الاجتماعية التي تربط أسرهم بعضها ببعض؟
هنا تكمن واحدة من أكثر مفارقات النزوح العشائري قسوة: أن يكون الإنسان قريبا بالنسب، وغريبا بالذاكرة.
فالمدينة ليست مجرد أرض وبيت. المدينة تراكم طويل من التفاصيل الصغيرة التي لا ندرك قيمتها إلا عندما نفقدها. هي المدرسة التي دخلناها أطفالا، والطريق الذي كنا نسلكه إلى المنزل، والدكان الذي يعرف صاحبه أسماءنا، والملعب الذي لعبنا فيه، والجيران الذين شاركونا الأفراح والأحزان، والمسجد الذي ألفنا وجوه المصلين فيه، والسوق الذي حفظنا طرقه وروائحه وأصواته.
وحين يترك الإنسان مدينته قسرا، فإنه لا يترك وراءه عقارا فقط. إنه يترك نسخة كاملة من حياته.
يترك المكان الذي كان يعرف فيه كيف يعيش دون أن يحتاج إلى تفسير نفسه. يعرف من يسأل إذا احتاج إلى مساعدة، وإلى من يذهب إذا مرض أحد أفراد أسرته، ومن يمكن أن يثق به في التجارة، ومن يعرف والده وأسرته، ومن كان صديق طفولته، ومن يقف معه في الشدة.
هذه الشبكة الإنسانية غير المرئية قد تكون أثمن من المنزل نفسه.
وعندما يصل إلى المدينة الجديدة، حتى لو كانت مدينة عشيرته، يكتشف أن الاسم العشائري المشترك لا يعوض كل ذلك. فأهل المكان لديهم صداقاتهم القديمة، وعلاقاتهم التجارية، وذكرياتهم المشتركة، ومصالحهم وتوازناتهم الاجتماعية. أما القادم الجديد، فعليه أن يبدأ من الصفر.
وهنا ينشأ شعور بالغ التعقيد: أن تنتمي ولا تنتمي في الوقت نفسه. لست غريبا تماما، لأن النسب يمنحك صلة بالمكان. لكنك لست من أهله تماما، لأن حياتك تشكلت في مدينة أخرى.
وقد تكون التجربة أكثر قسوة على من كان مستقرا وناجحا في حياته السابقة. فالتاجر الذي امتلك متجرا وعلاقات واسعة قد يصبح شخصا يبحث عمن يعرفه. والموظف الذي كانت له مكانة مهنية قد يجد نفسه بلا مؤسسة تستفيد من خبرته. والطبيب أو المعلم أو الحرفي قد يكتشف أن شبكة العلاقات التي كانت تمنحه مكانته الاقتصادية والاجتماعية اختفت بين ليلة وضحاها.
إنها ليست خسارة دخل فقط. إنها خسارة للمكانة والاعتراف الاجتماعي.
فالإنسان يعرّف نفسه جزئيا من خلال الطريقة التي يعرفه بها الآخرون. في مدينته كان «الأستاذ»، أو «الطبيب»، أو صاحب المتجر المعروف، أو ابن الأسرة التي يعرفها الحي منذ عقود. وفي المكان الجديد قد يصبح ببساطة «الرجل الذي جاء من مقديشو» أو «الأسرة التي نزحت من كيسمايو».
وهكذا يمكن أن يتحول الإنسان، خلال أيام، من شخص له تاريخ اجتماعي كامل إلى شخص مضطر إلى تقديم نفسه من جديد.
أما كبار السن، فالمأساة لديهم أعمق. يستطيع الطفل، مع الوقت، تكوين صداقات جديدة وتعلم جغرافيا المكان الجديد. لكن الرجل الذي أمضى خمسين أو ستين عاما في مدينة واحدة لا يستطيع بسهولة أن يبدأ حياته مرة أخرى. ذكرياته ليست موزعة بالتساوي بين المدن. إنها مرتبطة بشوارع وبيوت وأشجار ووجوه وأصوات بعينها.
وقد يعيش بقية عمره وهو يتحدث عن المدينة التي غادرها بصيغة الحاضر:

