يشهد الاقتصاد العالمي تباطؤًا متزايدًا. ففي الاقتصادات المتقدمة والناشئة على حد سواء، تراجعت مرحلة الائتمان السهل والتوسع التجاري السريع وتدفقات الاستثمار الأجنبي المرتفعة، لتحل محلها حالة من عدم اليقين، في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية، وتنامي النزعات الحمائية، وعدم استقرار السياسات العامة، وهو ما أضعف آفاق المستثمرين في مختلف أنحاء العالم.
في هذا السياق، يقف رواد الأعمال الصوماليون في المهجر أمام لحظة مفصلية: هل يواصلون توجيه رؤوس أموالهم إلى الخارج، أم يعيدون توطين جزء أكبر منها داخل الاقتصاد الصومالي الناشئ؟
المشهد الاقتصادي الكلي لا يدعو إلى الاطمئنان. فبعد سنوات من التقلبات التي أعقبت جائحة كوفيد-19، يُتوقع أن يظل النمو العالمي دون متوسطاته التاريخية. ووفقًا للبنك الدولي، فإن نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي خلال الفترة 2024–2026 سيكون أبطأ من العقد الذي سبق الجائحة. كما يتوقع تقرير آفاق الاقتصاد العالمي الصادر عن صندوق النقد الدولي في أكتوبر 2025 أن يتباطأ النمو العالمي من 3.3% في عام 2024 إلى 3.1% في عام 2026، مع بقاء اقتصادات الدول المتقدمة بالكاد فوق مستوى 1.5%.
وتعكس هذه الاتجاهات تشديد الأوضاع المالية، وضبابية السياسات، وتفكك منظومة التجارة العالمية. ويكتسب هذا التباطؤ أهمية خاصة بالنسبة للمستثمرين الصوماليين، إذ أصبحت الأسواق الخارجية أكثر حساسية للصدمات الاقتصادية، مع ارتفاع علاوات المخاطر وتراجع توافر رأس المال. ويزيد من حدة هذه المخاطر تصاعد الخطاب السياسي والاجتماعي المعادي للمهاجرين في عدد من الدول.
في كينيا، أبرزت تصريحات أدلى بها نائب الرئيس السابق، شكّك فيها في الدور الاقتصادي لرجال الأعمال الصوماليين، هشاشة أوضاع مجتمعات استقرت هناك منذ سنوات طويلة.
وفي جنوب أفريقيا، أدت الهجمات المتكررة على مشروعات يملكها مهاجرون إلى تدمير الأرواح ورؤوس الأموال. وفي دول أخرى، بما فيها الولايات المتحدة، يكشف الخطاب الإقصائي أن المساهمة الاقتصادية وحدها لا تضمن الأمن ولا الاستقرار الربحي. وفي ظل هذه المعطيات، يصبح من الضروري أن يعيد المستثمرون الصوماليون النظر في استراتيجياتهم.
مبررات إعادة توطين رأس المال
لا تعني إعادة توطين رأس المال — أي إعادة توجيه الاستثمارات المالية إلى الوطن الأم، وفي هذه الحالة الصومال — الانسحاب من الأسواق العالمية، بل تمثل خطوة استراتيجية تهدف إلى تثبيت الثروة داخل اقتصاد يشهد نموًا وإصلاحات، مع الحفاظ على القدرة على الوصول إلى الأسواق الإقليمية.
يمتلك الصومال واحدًا من أكثر المجتمعات شبابًا في العالم، إذ تشكل الفئة العمرية دون الثلاثين عامًا غالبية السكان. ويوفر هذا الواقع قوة عاملة شابة ومبدعة، وقاعدة استهلاكية واسعة. ويمكن لرأس المال المستثمر محليًا أن يوسع نطاق الأعمال ويوفر فرص عمل، بما يخلق أثرًا مضاعفًا يعزز الطلب ويدعم النمو طويل الأمد.
كما أن موارد الصومال — من الثروة السمكية والثروة الحيوانية إلى الأراضي الزراعية وإمكانات الطاقة المتجددة — لا تزال دون استغلال حقيقي. ويمنح الموقع الاستراتيجي للبلاد على المحيط الهندي وخليج عدن اتصالًا مباشرًا بممرات التجارة في شرق أفريقيا والشرق الأوسط. ويسمح تثبيت رأس المال في الداخل ببناء سلاسل إمداد متكاملة واقتناص قيمة مضافة من التجارة المحلية والإقليمية.
وعلى الصعيد المؤسسي، تشهد الأطر القانونية للاستثمار وحماية الملكية تطورًا تدريجيًا. ويستفيد المستثمرون الذين يضخون رؤوس أموالهم محليًا من هذه الإصلاحات، عبر الوصول المبكر إلى فرص منظمة، والتموضع في موقع متقدم قبل اشتداد المنافسة.
إضافة إلى ذلك، تتزايد عملية دمج الموانئ الصومالية وممرات النقل اللوجستية ضمن المنظومة الإقليمية لشرق أفريقيا. ويتيح وجود مراكز مالية داخل البلاد إدارة أكثر كفاءة للإنتاج والتمويل والخدمات اللوجستية، بما يمكّن الشركات الصومالية من المنافسة إقليميًا دون تعريض رؤوس أموالها لمخاطر سياسية خارجية.
نموذج ناجح: راغي عبدالسلام

