في أي نظام ديمقراطي، لا تُعدّ الانتخابات مجرد إجراء روتيني، بل هي أساس الشرعية السياسية. قيمتها الحقيقية لا تأتي من صناديق الاقتراع فقط، بل من نزاهة العملية وشفافيتها وثقة الناس بها. وعندما تهتز هذه العناصر، يصبح من واجب الفاعلين السياسيين—خصوصًا المعارضة—الدفاع عن سلامة المسار، لا التسرع في القبول بنتائجه.
ما جرى مؤخرًا في تعاطي بعض أطراف المعارضة الصومالية مع انتخابات إقليم جنوب غرب يطرح علامات استفهام حقيقية. فبالرغم من الجدل الواسع حول نزاهة العملية الانتخابية، سارع بعض قادتها إلى تقديم التهاني. هذا السلوك لا يعكس حكمة سياسية كما قد يبدو، بل يكشف عن ارتباك في تحديد الأولويات: هل الهدف هو التمسك بالمبادئ، أم مجاراة الواقع السياسي مهما كانت عيوبه؟
المعارضة، في جوهرها، ليست طرفًا يسعى فقط للاقتراب من السلطة بأي ثمن. دورها أن تراقب، وتنتقد، وتدافع عن حق الناس في عملية سياسية عادلة. وعندما تتجاهل الشكوك وتبارك نتائج محل جدل، فإنها لا تضعف نفسها فقط، بل تُضعف ثقة الشارع في فكرة الديمقراطية نفسها.
التجربة الصومالية تقول بوضوح إن ضعف المؤسسات يفتح المجال أمام تغوّل الأفراد، وعندها تتراجع القواعد لصالح الحسابات الشخصية. وفي مثل هذا المناخ، تتحول الانتخابات من وسيلة للتعبير عن إرادة الناس إلى أداة لترسيخ النفوذ. وهنا تحديدًا تبرز أهمية دور المعارضة: أن تضع حدودًا، وأن ترفض تطبيع الخلل، وأن ترفع سقف المعايير بدل خفضه.
التهنئة في مثل هذه الظروف ليست تفصيلًا بروتوكوليًا عابرًا، بل رسالة سياسية واضحة. إنها توحي بأن الخلل يمكن التغاضي عنه، وأن النزاهة ليست أولوية، وأن التوازنات السياسية أهم من القيم الديمقراطية. وهذا في جوهره تفكير قصير المدى، قد يبدو مريحًا الآن، لكنه يترك أثرًا سلبيًا عميقًا على المدى البعيد.
الأخطر من ذلك أن هذا السلوك قد يتحول إلى نمط. فإذا اعتادت الأطراف السياسية على قبول انتخابات مشكوك فيها دون مساءلة، فلن يكون هناك دافع حقيقي لتحسينها مستقبلاً. وهكذا تستمر الحلقة: انتخابات ضعيفة، وشرعية محل نزاع، وثقة عامة تتآكل تدريجيًا.
صحيح أن الواقع السياسي في الصومال معقّد، وأن الحفاظ على الاستقرار يتطلب أحيانًا مرونة، لكن هذه المرونة لا ينبغي أن تكون على حساب المصداقية. الاستقرار الحقيقي لا يقوم على التغاضي، بل على بناء ثقة قائمة على الوضوح والعدالة.
في النهاية، على المعارضة أن تحسم خيارها: هل تكتفي بدور المتابع داخل اللعبة السياسية، أم تسعى فعلًا إلى تحسين قواعدها؟ النضج السياسي لا يُقاس بسرعة التهاني، بل بالقدرة على التمسك بالمبدأ حين يكون ذلك مكلفًا.




