لم يكن المهندس آدم محمد خيري – رحمه الله – مجرد اسم، بل كان وعدًا بمستقبل أفضل، وحياةً كرّسها للخدمة والعلم، وأملًا متجددًا لمدينة بايدوا. تخرّج من جامعة زمزم للعلوم والتكنولوجيا، وكان من خريجي مدرسة بايدوا النموذجية، كما شغل منصب عميد كلية الزراعة في حرم جامعة زمزم بمدينة بايدوا، حيث أسهم في إعداد أجيال من الطلاب، ودعم مسيرة التعليم الزراعي في مدينته.
في مساء يوم الأربعاء، 4 فبراير 2026، وأثناء وجوده في منزله بأطراف مدينة بايدوا، أصيب برصاصٍ طائش وسط فوضى اشتباكات مسلحة، لتنتهي حياته بشكل مأساوي. ووري الثرى في بايدوا يوم السبت 8 فبراير 2026. ولم تكن وفاته خسارة شخصية لعائلته وزملائه وطلابه فحسب، بل أصبحت رمزًا موجعًا لكيف تُسحق حياة الأبرياء حينما يخترق العنف حرمة البيوت. وقد سقط إلى جانبه عشرات من عناصر القوات الأمنية ومدنيون عالقون في مرمى النيران.
تقع بايدوا على بعد نحو 250 كيلومترًا غرب مقديشو، وتُعد العاصمة المؤقتة لولاية جنوب غرب الصومال. وكانت المدينة قد بدأت تستعيد تدريجيًا شيئًا من الاستقرار والحركة التجارية والحياة الطبيعية. غير أن هدوء “بايدوا الجنة” انكسر في تلك الليلة على وقع إطلاق النار والانفجارات التي دوّت في أرجاء المدينة، لتتبعها على مدى يومين سلسلة مقلقة من المواجهات المسلحة التي زعزعت شعور السكان بالأمان.
وجاءت التداعيات سريعة وقاسية؛ إذ توقفت الرحلات الجوية من وإلى بايدوا، وأُغلقت المتاجر، وانقطعت خدمات الاتصالات، وشُلّت الأنشطة الاقتصادية اليومية. ومع تعطل شبكات الاتصال، واجه السكان صعوبة في استخدام خدمات الدفع عبر الهاتف المحمول، التي تُعد شريانًا حيويًا لتأمين الغذاء والماء والاحتياجات الأساسية. كما استقبلت المرافق الصحية مدنيين مصابين، بينهم نساء وأطفال، فيما اضطرت عائلات في بعض الأحياء إلى النزوح نحو مناطق أكثر أمنًا. وزادت هذه الاضطرابات من تفاقم أزمات قائمة أصلًا، من بينها نقص المياه في أجزاء من المدينة.
مهما كانت طبيعة الصراع، فلا ينبغي له أن يدمّر حياة الناس العاديين. فالكلفة الحقيقية لهذه المواجهات لا تُقاس بمكاسب سياسية أو سيطرة ميدانية، بل بالخوف الذي يُفرض على المدنيين، الذين لا يطمحون إلا إلى العيش بسلام. أُغلقت المتاجر، وبقيت العائلات داخل منازلها، وحُرم الأطفال من الذهاب إلى مدارسهم، بينما خيّم القلق على المدينة.
ومع تكشّف التفاصيل، بدأت الأسباب الكامنة وراء العنف بالظهور. فبحسب مصادر إعلامية، تعود الاشتباكات إلى نزاع على أراضٍ قرب سوق المواشي في أطراف بايدوا. وأدت أوامر بإخلاء أراضٍ حكومية، واتهامات بالتعدي، وتضارب في المطالب، إلى تصعيد سريع تحوّل، مع دخول ميليشيات مسلحة وقوات أمن وأطراف ذات نفوذ سياسي، من نزاع مدني إلى أزمة أمنية شاملة.
وتشير مثل هذه الانفجارات إلى مظالم عميقة لم تجد طريقها للحل. فالنزاعات حول ملكية الأراضي، وضعف آليات فض الخلافات، وتسييس الأجهزة الأمنية، واستمرار الخصومات السياسية، كلها عوامل تغذي عدم الاستقرار في أنحاء الصومال. وتجربة بايدوا تذكير واضح بأن السلام لا يُصان بالقوة وحدها، بل بالحكم الرشيد، والمساءلة، وبناء الثقة في المؤسسات التي يفترض أن تخدم المواطنين.
لقد أثبت التاريخ مرارًا أن العنف بين القادة والمجتمعات لا ينتج حلولًا دائمة. ويبقى الحوار والتوافق واحترام قدسية الحياة الإنسانية أولى من السعي وراء مصالح سياسية أو شخصية ضيقة.




