«توحيد الجيش الصومالي لا يبدأ بجمع البنادق داخل المعسكرات، بل بالاتفاق على الدولة التي يحمل الجندي السلاح من أجلها، والقيادة الوطنية التي تصدر إليه الأمر.» عبد الرحمن محمد غوري
حين تأسس الجيش الوطني الصومالي عام 1960، مع قيام الجمهورية الجديدة، لم يكن مجرد مؤسسة عسكرية تضاف إلى مؤسسات الدولة الوليدة، بل كان واحداً من أهم رموز الوحدة الوطنية في بلد خرج من تجربتين استعماريتين مختلفتين. وكان مطلوباً منه منذ اليوم الأول أن يجمع أبناء الشمال والجنوب في مؤسسة واحدة، وأن يحمي حدود دولة واسعة تمتلك واحداً من أطول السواحل في أفريقيا.
وخلال سنوات قليلة، تحول الجيش الصومالي إلى واحد من الجيوش الأفريقية القوية، وخاض حربه الأولى مع إثيوبيا عام 1964، ثم جاءت حرب أوغادين عام 1977، التي مثلت ذروة قوته العسكرية قبل أن تصبح نهايتها بداية المأساة. فقد حقق الجيش تقدماً واسعاً في بداية الحرب، قبل أن تتغير موازين القوى مع الدعم السوفيتي والكوبي الكبير لإثيوبيا، وتنتهي الحرب بانسحاب القوات الصومالية.
جيش بمؤسسات وقيادة واحدة
كان ذلك جيشاً بالمعنى الكامل للكلمة. عقيدته العسكرية شرقية متأثرة بالتدريب والتسليح السوفيتيين، وتنظيمه يبدأ من الفصيلة إلى السرية، ثم الكتيبة فاللواء وصولاً إلى الفرقة. وكانت لديه تشكيلات يعرفها الصوماليون بأرقامها ومناطقها، منها الفرقة 26 في هرجيسا، والفرقة 21 في دوسمريب، والفرقة 60 في بيدوا، إلى جانب قاعدتين عسكريتين بحجم الفرقة في كيسمايو وبولوبردي.
ولم يكن الجيش مجرد قوات برية. فقد كان للصومال سلاح جو وقوة بحرية ودفاع جوي ومؤسسات للتدريب والتأهيل. وكانت وزارة الدفاع تضم هيئات وإدارات عسكرية متخصصة تتولى الوظائف الأساسية في إدارة المؤسسة، وفي مقدمتها هيئة العمليات التي تمثل عصب العمل العسكري، إلى جانب هيئات وإدارات التدريب والتنظيم والاستطلاع والاستخبارات والتسليح والإمداد والتموين.
وكانت لكل منها وظيفتها في التخطيط وإعداد القوات وجمع المعلومات وتأمين احتياجات الوحدات. وكانت هناك قيادة واحدة وسلسلة أوامر واحدة وعقيدة عسكرية واحدة. وكان الجندي يعرف أين تبدأ وحدته وأين تنتهي، ومن قائده، ومن يصدر إليه الأمر.
من جيش الدولة إلى سلاح الجماعات
تبدو هذه الصورة اليوم كأنها آتية من بلد آخر. فحرب 1977 لم تسقط الجيش، لكنها فتحت فيه وفي الدولة شقوقاً اتسعت مع السنوات. وخرجت البلاد منها مثقلة بالخسائر، وتبدلت تحالفات الصومال الدولية، وبدأت الجبهات المسلحة المعارضة لحكومة الثورة تظهر واحدة بعد أخرى.
ومع اتساع المواجهة، دخلت القبيلة إلى السياسة ودخلت السياسة إلى الجيش، وبدأت المؤسسة التي كان يفترض أن تحمي الدولة تتأثر هي نفسها بأمراض الدولة.
ثم جاء عام 1991، ولم تسقط الحكومة وحدها، بل سقط معها الجيش. تفككت الفرق والألوية، واختفت القواعد العسكرية، وخرج السلاح من مخازن الدولة إلى أيدي الفصائل المسلحة، وعاد كثير من الضباط والجنود إلى مناطقهم وقبائلهم. وفي وقت قصير تحول الصومال من دولة تمتلك جيشاً كبيراً إلى بلد تمتلك القبائل فيه السلاح.
وهنا تبدأ الحكاية الأصعب.
فمن السهل نسبياً أن تعيد تسليح جيش ضعيف، وأن تدرب وحداته، وأن تغير قياداته. لكن ماذا تفعل عندما لا يبقى الجيش أصلاً، وعندما تقوم على أنقاضه قوى محلية وميليشيات قبلية وحركات مسلحة وإدارات إقليمية، لكل منها رجالها وسلاحها وقيادتها وحساباتها؟
لمن يتبع هؤلاء الجنود؟
هذه هي المعضلة التي تواجه الصومال منذ عودة الدولة. فقد أنفقت الحكومات المتعاقبة وشركاؤها الدوليون الكثير من الوقت والمال على إعادة بناء القوات المسلحة. وافتتحت المعسكرات، وتخرجت دفعات كثيرة، وظهرت وحدات جيدة التدريب، واكتسب الجنود الصوماليون خبرة كبيرة في الحرب الطويلة ضد حركة الشباب.
لكن السؤال ظل أكبر من عدد الجنود وأبعد من نوع السلاع: لمن يتبع هؤلاء؟
الدولة الفيدرالية تقول إن الجيش جيش الدولة، وبعض الولايات ترى أن القوات الموجودة على أراضيها يجب ألا تتحرك بعيداً عن إرادتها. وبين الموقفين، لم يعد الخلاف حول الدستور والانتخابات وتقاسم الموارد فقط، بل وصل إلى أخطر سؤال يمكن أن تواجهه دولة: من يملك السلاح، ومن يملك حق إصدار الأمر باستخدامه؟
تكفي ولاية بونتلاند مثالاً. فهناك تقارير حول إعادة نحو 700 من أفراد قوات «دنب» إلى قوات الإقليم، لكن المسألة تتجاوز بونتلاند وعدد الجنود إلى معنى الجيش نفسه.
ففي الدول الطبيعية، لا يكون انتشار الجيش داخل حدود بلاده حدثاً سياسياً. الجيش الوطني لا ينتمي إلى ولاية، ولا يمثل منطقة أو قبيلة، وإنما يعمل في إطار الشرعية الدستورية باعتباره قوة وطنية مهمتها حماية الدولة وسيادتها ووحدة أراضيها، ويخضع لقيادة واحدة وسلسلة أوامر واحدة.
ولهذا، فإن انتقال وحداته من مكان إلى آخر لا يفترض أن يثير سؤالاً عن هويتها أو انتمائها. فالجيش لا يزور بلاده، ولا يكون ضيفاً في جزء منها، وإنما يتحرك على أرض وطن واحد يدافع عنه باسم الدولة وتحت رايتها. لكن هذه المعادلة لم تستقر بعد في الصومال.
الفيدرالية لا تعني توزيع الجيش
هنا تظهر واحدة من أصعب مفارقات الفيدرالية الصومالية. فقد كان الجيش القديم شديد المركزية، وكانت الدولة شديدة المركزية أيضاً، لكن علاج المركزية لا يكون بتوزيع الجيش بين الولايات، ولا بتحويل الحدود الإدارية إلى حدود عسكرية.
الفيدرالية تستطيع أن توزع الإدارة والثروة والصلاحيات، لكنها إذا وزعت المؤسسة العسكرية فقد الجيش معناه الوطني. فالجيش بطبيعته قوة واحدة لا تتعدد مرجعياتها.
ولا يحتاج الصومال إلى استعادة جيش 1960، ولا إلى نسخ تجربة السبعينات. فالزمن تغير، والدولة تغيرت، والصومال نفسه تغير. لكنه يحتاج إلى استعادة الفكرة التي كان يقوم عليها ذلك الجيش: أن يكون للدولة جيش واحد.
والطريق إلى ذلك يبدأ قبل المعسكر وقبل البندقية، باتفاق سياسي يحدد ما هو الجيش، وما هي قوات الولايات، وما وظيفة الشرطة، ومن يصدر الأمر، ومن يملك قرار الانتشار. فالغموض في هذه المسائل قد يكون مفيداً في السياسة لبعض الوقت، لكنه يصبح كارثياً عندما يدخل الثكنة.
الجيش ليس الشرطة ولا أجهزة الأمن
ومن العقبات التي ورثها الصومال أيضاً عن تجربة الدولة العسكرية ذلك الخلط بين مفهوم القوات المسلحة وبقية الأجهزة النظامية. فقد ضم النظام العسكري الشرطة وأمن الدولة وقوات مصلحة السجون إلى القوات المسلحة جنباً إلى جنب مع الجيش، وهو خلط لا يستقيم مع طبيعة المؤسسات ووظائفها.

