كثيراً ما تحولت الدساتير إلى أدوات للسلطة في إفريقيا؛ تُمدَّد أو تُعلَّق أو يُعاد صياغتها بما يخدم من هم في الحكم. غير أن المسار الدستوري للصومال يختلف عن هذا النمط. فهذه العملية لم تُطلق بهدف ترسيخ حكم شخص أو تعزيز سلطة تنفيذية قائمة، بل فرضتها منطقية قيام الدولة نفسها: أن أي أمة ذات سيادة لا بد أن تحكم نفسها في نهاية المطاف وفق قانون أعلى اختارته بحرية. وقد حانت تلك اللحظة الآن.
إن موافقة البرلمان الفيدرالي الصومالي بأغلبية ساحقة على التعديلات الدستورية النهائية لا تمثل مجرد نهاية لعملية تشريعية، بل هي إجابة حاسمة على سؤال ظل يرافق الدولة الصومالية لعقود: هل يمكن لهذه الأمة أن تحكم نفسها وفق سيادة القانون، المنبثقة من إرادة ديمقراطية؟ الإجابة التي جاءت بعد أربعة عشر عاماً من النقاش عبر ثلاثة برلمانات وثلاث حكومات هي إجابة واضحة: نعم، تستطيع الصومال ذلك، وقد فعلت.
هذا الإنجاز لم يكن صدفة. بل هو ثمرة إرادة سياسية مستمرة، وصمود مؤسساتي، والتزام حقيقي بالحكم الشامل. ومن المهم أن يُفهم في وزنه الكامل؛ ليس باعتباره محطة احتفال عابرة، بل باعتباره الأساس الدستوري الذي يجب أن يُبنى عليه مستقبل الصومال.
العمليات الدستورية لا تكتمل من تلقاء نفسها. فهي تحتاج إلى سلطة سياسية مستعدة لتحمل كلفة بناء التوافق، وقادرة على الحفاظ على تماسك العملية عندما تهدد الضغوط المتباينة بتفكيكها، ومصممة على الوصول إلى النهاية عندما يكون التأجيل أسهل. وفي عهد الرئيس حسن شيخ محمود، وجدت الصومال هذه القيادة.
منذ بداية ولايته، جعل الرئيس استكمال الدستور أولوية وطنية غير قابلة للتفاوض. وقد أتاح انخراطه المستمر مع المجلس الاستشاري الوطني، وهو أعلى منصة للحوار الفيدرالي في البلاد، معالجة أكثر المواد إثارة للجدل على المستوى السياسي. فبدلاً من ترك القضايا الصعبة تتراكم، أصرّت القيادة على حل كل مسألة وفق حيثياتها، واحدة تلو الأخرى، مع قدر واضح من المساءلة.
هذه ليست ملاحظة سياسية بقدر ما هي قراءة بنيوية. فبدون تبني السلطة التنفيذية لمسؤولية مراجعة الدستور، تميل مثل هذه العمليات إلى الغرق في الجمود الإجرائي. وتجربة الصومال قبل عام 2022 توضح هذا الخطر بجلاء. ما تغيّر لم يكن النص الدستوري المعروض على البرلمان، بل الإرادة السياسية التي تقف خلفه.
إن الشرعية في صناعة الدساتير لا تُكتسب بالسرعة أو الامتثال التقني وحده، بل تتطلب مشاركة واسعة يمكن إثباتها، وسلسلة واضحة من المساءلة تربط الوثيقة بالشعب الذي تحكمه. وفي كلا الجانبين، قدمت هذه العملية مرافعة مقنعة.
فقد خاض المجلس الاستشاري الوطني قرابة عام من المفاوضات السياسية المكثفة، خضعت خلالها أكثر المواد إثارة للجدل لنقاش معمق. كما خصص البرلمان الفيدرالي نحو عامين لدراسة الفصول الخمسة عشر للدستور، وهو التزام يعكس جدية مؤسساتية واضحة. وأُجريت مشاورات عامة في مختلف أنحاء البلاد، كما شاركت مجالس الولايات الفيدرالية رسمياً في العملية.
كما عملت اللجنة المستقلة لمراجعة وتنفيذ الدستور ولجنة الرقابة البرلمانية على تنظيم هذه المدخلات، بما ضمن مشاركة المجتمع المدني ومجموعات النساء والشباب والقيادات الدينية وشيوخ العشائر بوصفهم أطرافاً فاعلة في النقاش، لا مجرد إجراءات شكلية.
هذه البنية التشاركية مهمة. فالدستور الذي يُصاغ عبر نقاش واسع يحمل سلطة أخلاقية مختلفة عن الوثيقة التي تُنتج خلف الأبواب المغلقة. لقد تشكلت التعديلات الدستورية للصومال في العلن، وخضعت لاختبار النقاش المفتوح، ثم أقرتها مؤسسات منتخبة.
ومن بين أهم القرارات التي حملتها التعديلات حسم الجدل حول طبيعة السلطة التنفيذية. فبعد نقاش طويل، أعاد النص النهائي اعتماد الإطار الذي نص عليه الدستور المؤقت الأصلي: يُنتخب الرئيس من قبل البرلمان، بينما يكون رئيس الوزراء مسؤولاً أمام السلطة التشريعية، وليس خاضعاً حصراً لسلطة الرئيس. كما لا يمتلك الرئيس صلاحية إقالة رئيس الوزراء بشكل منفرد.
وقد فسّر البعض هذا الخيار على أنه تراجع، لكنه في الحقيقة قرار مدروس. فالسياق الصومالي لبناء الدولة يتطلب ضوابط مؤسساتية تحول دون تركيز السلطة التنفيذية، وهو الخلل الذي أدى إلى زعزعة الاستقرار في العديد من الدول الخارجة من النزاعات. ومن خلال الحفاظ على المساءلة البرلمانية وتوزيع السلطة التنفيذية، تعطي التعديلات الأولوية لمرونة الحكم على المدى الطويل بدلاً من الكفاءة السريعة في اتخاذ القرار.
إلى جانب ذلك، حملت التعديلات ثلاث تحولات مهمة أخرى. أولها إصلاح النظام الانتخابي، إذ تم تجاوز صيغة المحاصصة القبلية المعروفة بـ«4.5»، وهي آلية انتقالية تجاوزت غرضها الأصلي، لصالح نظام ديمقراطي تعددي قائم على الاقتراع العام المباشر، بما يعيد للمواطن الصومالي حقه السيادي في التصويت.
أما التحول الثاني فيتمثل في تمديد ولاية الرئيس والبرلمان من أربع سنوات إلى خمس سنوات، بما يوفر أفقاً زمنياً يسمح بالتخطيط الاستراتيجي طويل المدى ويحد من اضطراب الدورات الانتخابية المتقاربة.




