إن السؤال الذي يواجه النظام الدولي اليوم لم يعد يتمحور حول ما إذا كان القانون الدولي قد ضعف — فهذه مسألة حُسمت منذ زمن — بل بات السؤال الحقيقي هو: هل دخلنا مرحلة تتجاوز القانون الدولي ذاته؟ مرحلة لم تعد فيها القواعد سوى مرجع نظري يُستدعى عند الحاجة ويُهمَل حين يتعارض مع مصالح القوى الكبرى.
ما نشهده ليس خللًا مؤقتًا في آليات التنفيذ، بل تحولًا بنيويًا في منظومة الحوكمة العالمية، حيث لم تعد الشرعية تُستمد من النصوص القانونية، بل من موازين القوة.
في هذا السياق، لا يمكن النظر إلى قضية اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو بوصفها حالة رئاسية خاصة أو استثناءً مرتبطًا بشخصه أو بطبيعة النظام السياسي في فنزويلا. فمكمن الخطورة لا يكمن في القضية ذاتها، بل في الدلالة التي تحملها، وفي الأبواب التي قد تفتحها.
قد نكون أمام بداية مرحلة يصبح فيها انتهاك سيادة الدول، أو اقتطاع أراضيها، أو تقسيمها، أو حتى احتلالها الكامل، أمرًا ممكنًا دون إدانة حقيقية، طالما أن الفاعل هو قوة عظمى، أو دولة أخرى تعمل بالوكالة عنها.
من حيث المبدأ، يقوم القانون الدولي على سيادة الدول وتساويها القانوني، ويمنح رؤساء الدول حصانة من الاعتقال أو الملاحقة من قبل دول أخرى أثناء وجودهم في مناصبهم.
لم تكن هذه القاعدة ترفًا قانونيًا، بل صمام أمان للنظام الدولي، وُضع لمنع الفوضى وللحيلولة دون انزلاق السياسة العالمية إلى دوامات من الانتقام والتصفية السياسية. غير أن هذا المبدأ، شأنه شأن غيره، ظل دائمًا رهينة القوة أكثر من كونه محميًا بصلابة النصوص القانونية.
حين تتصرف قوة عظمى خارج هذا الإطار، فهي لا تنتهك قاعدة قانونية فحسب، بل تعيد تعريف معنى الشرعية ذاته. تصبح القوة هي مصدر الشرعية، لا أداة استثنائية مقيّدة بالقانون. ما يُحظر على الدول الضعيفة يصبح مقبولًا — بل مبررًا — حين تنفذه دولة تتمتع بتفوق عسكري واقتصادي وسياسي. وهكذا يتحول القانون الدولي إلى أداة انتقائية، تُستخدم ضد الخصوم وتُعطّل حين يتعلق الأمر بالأقوياء.
الولايات المتحدة، بحكم فائض قوتها، قادرة على فرض هذا المنطق دون أن تواجه مساءلة حقيقية. فهي لا تحتاج إلى تفويض أممي شامل أو إجماع قانوني دولي واضح. يكفي نسج سردية أخلاقية أو أمنية لتبرير الفعل، فيما يكتفي المجتمع الدولي بالصمت أو ببيانات خجولة. في المقابل، تُدان دول أخرى بسرعة إذا ارتكبت سلوكًا مشابهًا، وتُفرض عليها العقوبات، وتُتهم بتهديد السلم الدولي. لم يعد هذا الكيل بمكيالين استثناءً، بل أصبح القاعدة غير المعلنة.
الأخطر من ذلك أن مثل هذه السوابق نادرًا ما تبقى معزولة. فالتاريخ يُظهر أن الاستثناءات، حين لا تُواجَه برفض حاسم، سرعان ما تتحول إلى نماذج قابلة للتكرار. ومع كل سابقة جديدة، تتآكل فكرة السيادة أكثر، وتتلاشى الخطوط الحمراء التي كانت تُعد غير قابلة للمساس. وهذا يفتح الباب ليس فقط لاستهداف قادة الدول، بل أيضًا لإعادة تشكيل الخرائط، وفرض وقائع جديدة على الأرض، وإعادة رسم الحدود تحت ذرائع متعددة، دون خوف من إدانة حقيقية أو محاسبة.
في هذا المناخ، يقع العالم العربي وإفريقيا في قلب دائرة الخطر. فالدول المثقلة بالهشاشة السياسية، والانقسامات الداخلية، والاعتماد المفرط على الخارج، قد تجد نفسها أكثر عرضة لهذا المنطق الناشئ. ولا يتطلب الأمر بالضرورة تدخلًا عسكريًا مباشرًا أو احتلالًا تقليديًا. فقد تكفي أدوات أقل كلفة وأكثر «نظافة» سياسيًا: ضغط قانوني مُسيّس، عمليات استخباراتية، أو أدوار إقليمية تُدار بالوكالة. في مثل هذا العالم، لا حاجة إلى إجماع دولي، ولا حتى إلى غطاء قانوني صريح — يكفي مجرد تفاهم أو صمت من القوى الكبرى.
يحمل هذا التحول تداعيات عميقة على كيفية نظر الرؤساء وصنّاع القرار في الدول الضعيفة إلى موقعهم في العالم. لم يعد المنصب درعًا، ولا السيادة ضمانة موثوقة. يصبح السفر مخاطرة محسوبة، والتحالفات الأمنية مسألة بقاء شخصي، وتُتخذ القرارات السيادية تحت وطأة سؤال غير معلن: كيف سيُقرأ هذا القرار في واشنطن أو لدى القوى الكبرى الأخرى؟ تتحول الحوكمة نفسها إلى تمرين دائم في إدارة المخاطر.
حين يُقال إن فرض الإرادة على دولة بحجم فنزويلا كان، نظريًا، يتطلب حشدًا عسكريًا هائلًا، فإن الرسالة الضمنية واضحة: الدول الأضعف قد لا تتطلب سوى القليل. طائرتان، أو قضية قانونية، أو أزمة داخلية مصنّعة محليًا ومُدارة من الخارج، قد تكون كافية لتحقيق النتيجة المرجوة. عندها، يتوقف سؤال «من التالي؟» عن كونه تهويلًا، ويصبح سؤالًا مشروعًا تمامًا.




