لم يعد انهيار شركة ARM Cement عملاق الاسمنت في شرق آفريقيا مجرد قصة شركة أثقلتها الديون أو أرهقتها تقلبات العملة والمنافسة. فمع دخولها رسمياً مسار التصفية وعقد اجتماع للدائنين في مارس 2026، باتت المسألة أعمق من ملف مالي مغلق.
القضية اليوم هي ما الذي خسرته كينيا، ولماذا أصبح سقوط الصناعات مشهداً متكرراً لا يثير الدهشة كما ينبغي.
ARM لم تنهَر فجأة. تآكلت تدريجياً، تحت ضغوط معروفة ومعلنة، وفي بيئة اقتصادية لم تكن تفتقر إلى الطلب بقدر ما افتقرت إلى الحماية الاستراتيجية. كانت يوماً أحد أعمدة سوق الأسمنت في شرق أفريقيا، لكنها انتهت إلى تصفية أصول وترتيب مطالبات.
غير أن ARM ليست استثناءً، بل نموذجاً يتكرر بأشكال مختلفة عبر قطاعات متعددة في كينيا.
نمط يتكرر بصمت
في معظم الحالات، لا يبدأ الانهيار بصدمة كبرى، بل بسلسلة من القرارات الصغيرة التي تضعف المؤسسات ببطء. يتسلل التدخل السياسي إلى مجالس الإدارة، فتغيب الكفاءة أمام الولاء. تتحول المجالس من مراكز تخطيط إلى جهات تصديق. يُقدَّم الإنقاذ المؤقت على الإصلاح الجذري، ويُؤجَّل القرار الصعب حتى يصبح مستحيلاً.
وعندما تقع الكارثة، يُقال إن السوق حكم، وإن التصفية إجراء قانوني طبيعي. لكن السؤال الأهم يبقى: هل كان الانهيار قدراً اقتصادياً أم نتيجة إدارية وسياسية؟
السكر… من الريادة إلى الإنقاذات
قطاع السكر يقدم مثالاً صارخاً. شركة Mumias Sugar، التي كانت يوماً أكبر مطحنة سكر في شرق أفريقيا، لم تنهَر بسبب غياب الطلب، بل بسبب اختلال الحوكمة. تضخمت الديون، ضعفت الرقابة، وامتلأت الإدارة بتعيينات سياسية.
سنوات من خطط الإنقاذ لم تُعالج جذور المشكلة. وعندما عاد النشاط جزئياً، لم يكن نتيجة إصلاح مؤسسي شامل، بل عبر ترتيبات جديدة نقلت السيطرة دون مراجعة حقيقية للأخطاء.
البيرثروم… فقدان الثقة قبل فقدان السوق
كانت كينيا تتصدر العالم في إنتاج البيرثروم، لكن القطاع تراجع لأن العلاقة بين الدولة والمزارعين انهارت. تأخرت المدفوعات، احتُكر التسويق، وخُنق الابتكار.
لم تختفِ الأسواق العالمية، بل اختفت الثقة. وعندما يفقد المزارع الثقة، يفقد القطاع قاعدته الإنتاجية.
النسيج… تحرير بلا استراتيجية
أما قطاع النسيج، فقد سقط تحت وطأة تحرير اقتصادي لم يُرفق بسياسات حماية انتقالية. تدفقت الواردات، أُغلقت المصانع، وتفككت سلاسل القيمة المحلية.
صحيح أن بعض المناطق التصديرية صمدت بفضل اتفاقيات خارجية، لكن الصناعة الوطنية ككل دفعت الثمن. تحوّل الحديث عن التصنيع إلى خطاب، لا سياسة دفاعية واضحة.




