كل أربع سنوات، ومع اقتراب الصومال من دورة انتخابية جديدة، تدخل البلاد موسمًا سياسيًا بات يمكن التنبؤ به بدقة. فالمعارضة، التي غالبًا ما تكون مفككة وخافتة الصوت طوال مدة الحكم، تستعيد فجأة حيويتها. تنهض بقوة خطابية عالية، تحصي إخفاقات الحكومة المنتهية ولايتها، وتدين أخطاءها، وتَعِد بنهضة وطنية شاملة ما إن تعود إلى السلطة. وفي المقابل، يسارع المسؤولون الحكوميون إلى الدفاع عن سجلهم، معتبرين منتقديهم ناكرين للجميل أو انتهازيين أو ببساطة غير مطلعين. مشهد مألوف إلى حد أصبح معه سمة أساسية من سمات الحياة السياسية الحديثة في الصومال.
لكن خلف هذا المسرح السياسي، تكمن حقيقة أعمق: الصومال عالق في حلقة سياسية مفرغة، لا في مسار تطور سياسي. تتغير الوجوه، لكن النص لا يتغير.
على مدى أكثر من عقدين، تابع الصوماليون الدورة نفسها تتكرر بدقة شبه آلية. تصل حكومة إلى السلطة محمولة على موجة من الأمل والخطابات الرنانة. وبعد سنوات قليلة، تندد بها المعارضة باعتبارها فاشلة، وتتعهد بتصحيح أخطائها. ثم، ما إن تصل المعارضة نفسها إلى الحكم، حتى تعيد إنتاج الأنماط ذاتها التي كانت قد شجبتها. تُعاد الدورة من جديد، وتستمر الأخطاء، ويبقى المواطن محاصرًا في نظام يعيد تدوير الفشل كل أربع سنوات دون أن يعالج جذوره.
ولا يتعلق الأمر هنا فقط بأخطاء أفراد أو بشخصيات فاسدة. المشكلة أعمق من ذلك؛ إنها خلل بنيوي في فهم السياسة وممارستها في الصومال. إنها مشكلة ثقافية ومؤسسية وتاريخية في آن واحد. وما لم تتغير هذه الشروط الأساسية، فلن تتمكن لا المعارضة ولا الحكومة من كسر هذه الحلقة.
ومن أبرز سمات هذا المشهد التشابه اللافت بين ثقافة من هم في السلطة وثقافة من هم خارجها. فحين يكون القادة السياسيون خارج الحكم، يتحدثون بلغة المبادئ: يرفعون شعارات الشفافية، ويدينون الفساد، ويقدمون أنفسهم حماة للديمقراطية. يعرضون قوائم مطولة بالإخفاقات ويقترحون إصلاحات طموحة. لكن ما إن يتسلموا السلطة، حتى تعيدهم أعباء المسؤولية وإغراءات النفوذ إلى سلوكيات مغايرة. يتلاشى الإلحاح الأخلاقي الذي ميّز خطابهم المعارض، ليحل محله هاجس تثبيت السلطة، ومكافأة الحلفاء، وتحييد الخصوم.
هذا التحول ليس انتهازيًا فحسب، بل هو نظامي. فالمؤسسات الحكومية ضعيفة، ومجزأة، ومشخصنة إلى حد بعيد. لا تُدار الدولة الصومالية عبر أطر مؤسسية راسخة، بل تنحني لإرادة التحالف السياسي الذي يسيطر عليها مؤقتًا. لا ترث أي حكومة أساسًا مؤسسيًا مستقرًا تبني عليه، بل تبدأ كل إدارة تقريبًا من الصفر، مفككة أو متجاهلة ما أنجزه سلفها. وفي بيئة كهذه، يجد حتى القادة حسنو النية أنفسهم عاجزين عن الإفلات من جاذبية الاختلالات المألوفة.
في المقابل، لا تتصرف المعارضة كحكومة ظل تعد سياسات بديلة، بل كتحالف شكاوى. فهي تعرّف نفسها بما تعارضه لا بما تقترحه. ويتشكل برنامجها على أساس ما تريد تقويضه في الحكومة، لا على رؤية وطنية متماسكة. وعندما تصل معارضة كهذه إلى السلطة، تجد نفسها غير مهيأة للحكم، فتعود تلقائيًا إلى الممارسات ذاتها التي انتقدتها.
أما المأساة الحقيقية، فتتمثل في موقع المواطن الصومالي وسط هذه الدوامة. ففي كل أربع سنوات، يسمع الناس الوعود نفسها: أمن أفضل، مؤسسات أقوى، خدمات محسنة، اقتصاد أكثر عافية، وفساد أقل. لكن مع كل دورة، تنخفض التوقعات ويتعمق الإحباط العام. فقدت وعود التغيير مصداقيتها، وأصبح الانخراط السياسي أكثر قبلية ونفعية، وأقل ارتباطًا بالقضايا العامة. كثير من الصوماليين لم يعودوا يرون في النخبة الحاكمة ك ما يمكن أن تقدمه لهم سوى مزيد من عدم اليقين.
وتجسد حكاية شعبية صومالية هذا الواقع بدقة موجعة. ففي القصة، تتعرض فتاة شابة لاعتداء من مغتصب وتصرخ طلبًا للمساعدة. تهرع الأم للدفاع عنها، وتضرب المعتدي بما أوتيت من قوة. لكن عندما ينقلب المعتدي على الأم ليغتصبها هي الأخرى، يحدث أمر صادم: تتوقف عن المقاومة. تسألها الابنة، مذهولة ومروعة: «أمي، هل كنتِ تدافعين عني… أم كنتِ تغارين مني وأردتِ المتعة لنفسك؟».

