مع تصاعد عصر “الإعجاب” و”المشاركة” و”الاشتراك”، وانتشار مجموعات واتساب، لم يعد تشكيل الرأي العام عملية عفوية كما كان في السابق، بل أصبح في كثير من الأحيان نتيجة مباشرة لخوارزميات رقمية ودوائر اجتماعية مغلقة تعيد إنتاج نفس الأفكار وتضخمها. هذه الظاهرة، المعروفة بـ”غرفة الصدى”، تحولت إلى واقع يومي يُعيد تشكيل وعينا السياسي والاجتماعي—خصوصًا مع اقتراب المواسم الانتخابية.
غرفة الصدى ببساطة هي البيئة التي يُعاد فيها تكرار نفس الآراء والمعتقدات، سواء عبر مجموعة اجتماعية ضيقة أو من خلال خوارزميات المنصات الرقمية. وما يجعلها جذابة هو الشعور اللحظي بالراحة—أو ما يُعرف بتأثير “الدوبامين”—عندما نقرأ أو نسمع من يؤكد قناعاتنا. لكن هذا الشعور سرعان ما يتحول إلى فخ، حيث يبدأ الفرد في الاعتقاد بأن ما يسمعه داخل دائرته هو الحقيقة الوحيدة، وأن كل ما خارجها إما مشكوك فيه أو مرفوض.
تكمن الخطورة في أن المجتمعات الواعية تقوم على التعددية—على اختلاف الآراء، وتبادل الحجج، والاستماع إلى الآخر. أما في غرف الصدى، فيتم تضخيم فكرة واحدة فقط، وقد تصبح أكثر تطرفًا مع مرور الوقت. النتيجة هي قرارات جماعية مبنية على رؤية ناقصة، قد تقود إلى خيارات أسوأ، أو حتى إلى تراجع عام في جودة القرار السياسي.
اللافت أن هذه الظاهرة لم تعد عفوية، بل أصبحت موضوعًا للدراسة والتوظيف من قبل جهات تسعى للتأثير على الرأي العام. يشير الفيلسوف الأمريكي المعاصر "كونغ ثي نغوين" إلى أن غرفة الصدى لا تكتفي بتكرار الأفكار، بل تُقصي مسبقًا أي مصدر خارجي للمعلومة. وفي السياق الصومالي، يتجلى ذلك في عبارات مثل: “هذا كلام قبيلة فلان”، حيث يُغلق النقاش دون تقييم موضوعي للمحتوى.
وفي مجتمعات تعاني من صدمات نفسية غير معالجة، قد تُسهم غرف الصدى في تعميق هذه الأزمات. فوفقًا لنظرية “التنافر المعرفي”، يشعر الإنسان بعدم ارتياح عند مواجهة آراء مخالفة، فيتجنبها، ويغوص أكثر في بيئته المغلقة، ما يزيد من حدة الانغلاق الفكري والنفسي.
فما العمل؟
في عصر تحكمه خوارزميات غير مرئية، قد يبدو الخروج من غرف الصدى صعبًا، لكنه ممكن. يمكن لكل فرد أن يختار بوعي متابعة مصادر مختلفة، والاستماع إلى آراء متباينة، وقراءة ما يتجاوز دائرة اهتمامه المعتادة.
كما أن التحول من التلقي السلبي إلى المشاركة الفاعلة داخل المجموعات—سواء كانت سياسية أو اجتماعية—يسهم في كسر الحلقة المغلقة. التعبير عن رأي مختلف، حتى لو قوبل بالرفض، هو خطوة نحو نقاش صحي.
وفي المقابل، تظل الصحة النفسية أولوية. فإذا أصبحت بيئة معينة مصدرًا دائمًا للتوتر أو الغضب، فإن الابتعاد عنها خيار واعٍ، لا ضعف.




