من الصعب تجاهل ما يجري. فالأصوات نفسها تتعالى ليلًا ونهارًا، لكنها لا تصبح أكثر وضوحًا. تتكرر، وتتصاعد، وتملأ منصات التواصل الاجتماعي، لكن عند التدقيق، يظهر أنها ليست تعبيرًا عن قوة أو ثقة، بل ضجيج تحركه مخاوف من التغيير.
وربما هذه هي القصة الحقيقية.
فعندما يكون المرء واثقًا من موقعه، لا يحتاج إلى الصراخ أو تكرار نفس الحجج، ولا إلى تحريف الحقائق أو تشتيت الانتباه. لكن حين يبدأ النظام الذي اعتاد عليه في التآكل، ويشعر بأن الأرض لم تعد ثابتة تحت قدميه، عندها يرتفع الصوت.
والصومال يمر بهذه اللحظة الآن.
لسنوات طويلة، ظل البلد عالقًا في دائرة اعتادها كثيرون. اختيار سياسي بدلًا من تمثيل حقيقي، صفقات تُعقد خلف الأبواب المغلقة، وولاءات تُشترى بدل أن تُكتسب. كان نظامًا يخدم قلة، لا الدولة.
اليوم، هذا النظام يتعرض للتحدي، وليس الجميع مرتاحًا لذلك.
لنكن واضحين: هناك توجه نحو مسار مختلف، نحو سيادة القانون، وبناء مؤسسات فاعلة، والابتعاد عن ما كان يُعرف ضمنيًا بـ”الاختيار القائم على الرشوة”، حتى وإن لم يُعلن ذلك صراحة.
هذا التحول لم يكن يومًا سهلًا.
فكل تغيير جذري يواجه مقاومة، وفي الحالة الصومالية، هذه المقاومة واضحة. تظهر في الخطابات، والمنشورات، والانتقادات المستمرة لكل خطوة إلى الأمام. لكن عند التأمل، يتضح نمط متكرر.
فالجهات الأكثر صخبًا اليوم، كانت نفسها تعارض محطات وطنية مهمة. عارضت رفع حظر السلاح، رغم ما يحمله من تعزيز لقدرة الدولة على الدفاع عن نفسها. ورفضت إعفاء الديون، الذي منح البلاد فرصة للتنفس بعد سنوات من الضغوط. وشككت في إنهاء الوصايات الدولية، في وقت كانت فيه الدولة تسعى للاعتماد على ذاتها.
كما وقفت ضد جهود الاندماج الإقليمي، مثل الانضمام إلى مجموعة شرق أفريقيا، واعترضت على استكمال الدستور رغم تعثره لسنوات وحاجته إلى الحسم.
وفي ملف الأمن، لم يكن المشهد مختلفًا. فمواجهة الجماعات الإرهابية، التي يفترض أن تكون نقطة إجماع، تحولت إلى ساحة خلاف.
وهنا يبرز السؤال: إذا كان الاعتراض يشمل كل خطوة إلى الأمام، فما الذي يتم الدفاع عنه فعليًا؟
هذا ما بدأ كثير من الصوماليين في إدراكه. الناس تتابع، وتربط بين الأحداث، وتفرّق بين من يدعم التقدم رغم صعوبته، ومن يعيد إنتاج نفس الحلقة القديمة. والأهم، أنهم لم يعودوا مقتنعين بأن التغيير مستحيل.
لأن التغيير بدأ بالفعل.
تغيرت طبيعة النقاش، وارتفعت سقوف التوقعات، وتراجع التسامح مع المناورات السياسية، مقابل زيادة الطلب على نتائج ملموسة. قد لا يكون المسار مثاليًا، لكن اتجاهه بات أكثر وضوحًا.
فالأمس ليس اليوم، واليوم لن يكون الغد.




