في تحليله المنشور عن معهد واشنطن، يجادل إيهود يعاري بأن قرار إسرائيل الاعتراف بصوماليلاند يشكّل تحوّلًا استراتيجيًا مهمًا، ويعبّر عن عودة إسرائيل إلى مسرح البحر الأحمر والقرن الإفريقي بعد سنوات من التراجع الدبلوماسي والأمني. وقد أُعلن القرار في 26 ديسمبر/كانون الأول 2025، ليجعل إسرائيل أول دولة تمنح صوماليلاند اعترافًا كاملًا، الأمر الذي أطلق ديناميكيات جديدة في منطقة تتقاطع فيها الحرب في اليمن مع عدم الاستقرار في الصومال والتنافس المتصاعد على الممرات البحرية الدولية.
ويرى يعاري أن الدافع الأساسي وراء هذه الخطوة هو أمني بالدرجة الأولى. فمنذ تدهور العلاقات الإسرائيلية مع إريتريا عام 2020، وتعليق مسار التطبيع مع السودان عقب اندلاع الحرب الأهلية هناك في أبريل/نيسان 2023، فقدت إسرائيل شركاء موثوقين على ساحل البحر الأحمر. وقد تعمّق هذا الفراغ الاستراتيجي بعد أن بدأ الحوثيون في اليمن، في أكتوبر/تشرين الأول 2023، حملة هجمات مكثفة استهدفت سفنًا متجهة إلى إسرائيل، إلى جانب إطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة باتجاه الأراضي الإسرائيلية. وأسفرت هذه الهجمات عن شلل شبه كامل في ميناء إيلات، المنفذ الإسرائيلي الوحيد على البحر الأحمر، وهو وضع تعتبره تل أبيب غير قابل للاستمرار.
في هذا السياق، تبرز الأهمية الجغرافية لصوماليلاند، التي تمتد سواحلها لنحو 850 كيلومترًا على خليج عدن مقابل اليمن، وبالقرب من مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم. ويؤكد يعاري أن إسرائيل لا تسعى إلى إنشاء قواعد عسكرية دائمة في صوماليلاند، لكنها مهتمة بالحصول على حقوق وصول وتسهيلات استخباراتية يمكن تفعيلها عند الحاجة، خصوصًا في حال تجدد المواجهة مع الحوثيين أو اندلاع صراع أوسع يشمل إيران أو حركة حماس.
كما يقدّم المقال صوماليلاند بوصفها كيانًا سياسيًا مستقرًا نسبيًا مقارنة بالصومال. فمنذ إعلانها استعادة سيادتها عام 1991 عقب انهيار الدولة الصومالية، حافظت صوماليلاند على مستوى عالٍ من الأمن الداخلي، ونظّمت انتخابات متكررة، وتجنبت التهديدات الإرهابية الواسعة التي تعاني منها مناطق جنوب ووسط الصومال. ويرى يعاري أن التطبيع مع إسرائيل قد يفتح مجالات تعاون تتجاوز الجانب الأمني، لتشمل مساعدات إسرائيلية في مجالات إدارة المياه، وتحديث الزراعة، وتكنولوجيا المعلومات، إلى جانب تبادل المعلومات الاستخباراتية. ومن المتوقع أن تزور إسرائيل قريبًا بعثة رفيعة المستوى من هرجيسا في إطار توسيع العلاقات الثنائية.
ويضع الكاتب الخطوة الإسرائيلية ضمن سياق إقليمي معقّد يتسم بالحذر وتضارب المصالح. فإثيوبيا، الجارة الأقرب لصوماليلاند، فكرت طويلًا في الاعتراف بها، ووقّعت في يناير/كانون الثاني 2025 مذكرة تفاهم تمنح أديس أبابا منفذًا إلى ميناء بربرة مقابل الاعتراف، إلا أن الاتفاق تعثّر بسبب الجدل السياسي، ومخاوف المساس بوحدة الصومال، وعدم وضوح آليات التنفيذ. كما أقامت تايوان علاقات اقتصادية وأمنية وثيقة مع صوماليلاند، وساهمت في تطوير خفر سواحلها، لكنها امتنعت عن الاعتراف الرسمي تحت ضغط صيني. بدورها، تحافظ الإمارات العربية المتحدة على علاقات قوية مع صوماليلاند، خاصة في إدارة الموانئ، لكنها لم تصل إلى حد الاعتراف الرسمي.
أما ردود الفعل العربية فكانت في معظمها رافضة. فقد أدانت السعودية الخطوة الإسرائيلية ووصفتها بمحاولة إنشاء «كيانات موازية» في الصومال، في حين ربطت بعض وسائل الإعلام العربية القرار الإسرائيلي بسياق أوسع يتعلق بالتنافس في البحر الأحمر واليمن. وردّت الحكومة الصومالية بإعلان إلغاء اتفاقيات أمن الموانئ والدفاع مع الإمارات، رغم أن يعاري يشير إلى أن موانئ رئيسية مثل بربرة وبوصاصو لا تخضع فعليًا لسيطرة مقديشو. ويكتسب ميناء بوصاصو، الواقع في إقليم بونتلاند، أهمية خاصة نظرًا لتعاونه الوثيق مع الإمارات واستضافته المتكررة لعمليات عسكرية أمريكية.




