يقدم تقرير جديد نشره معهد سَلْطِغ بعنوان «الترابط الاستراتيجي بين حركة الشباب والحوثيين وتداعياته على الإقليم والأمن العالمي» أوسع دراسة حتى الآن حول العلاقة المتطورة بين حركة الشباب في الصومال وجماعة أنصار الله (الحوثيين) في اليمن.
واستنادًا إلى مقابلات ميدانية ومصادر استخباراتية وبيانات تتبع مالية وبحرية، ترى الدراسة أن ما بدأ كتسهيل لوجستي محدود وسري قد تطور إلى شراكة عملية متعددة المستويات ذات تداعيات عميقة على الصومال وممر البحر الأحمر والملاحة الدولية.
ولا يستند هذا التحالف إلى تقارب أيديولوجي، بل تصفه الدراسة بأنه نَفعي ومدفوع باعتبارات البقاء. فعلى الرغم من الانقسامات السنية–الشيعية العميقة، وجد الطرفان في بعضهما فرصة استراتيجية.
من جذور القاعدة إلى الاستقلال الاستراتيجي
تضع الدراسة العلاقة ضمن المسار التاريخي لحركة الشباب. فقد نشأت الحركة من اتحاد المحاكم الإسلامية عام 2006، وكانت لفترة طويلة مرتبطة بشبكات تنظيم القاعدة، خصوصًا من خلال تنظيم القاعدة في جزيرة العرب. وشكل اليمن مركزًا لوجستيًا وتدريبيًا حيويًا للمسلحين الصوماليين، خاصة بعد عام 2009 حين تكثفت طرق التهريب البحري بين المكلا والحديدة والساحل الشرقي للصومال.
غير أن الخلافات الداخلية، خاصة خلال قيادة أحمد عبدي جوداني، ( قتل في سبتمبر 2014) كشفت توترات بين رغبة حركة الشباب في الاستقلال العملياتي وبين البنية الهرمية لتنظيم القاعدة. ومع مرور الوقت، تطورت الحركة من نموذج صارم إلى ما تصفه الدراسة بأنه «سلطة محلية ذات تأثير عالمي»، وأصبحت أكثر استعدادًا لإقامة علاقات مرنة قائمة على المصالح.
ويعكس تعمق الانخراط مع الحوثيين هذا التحول. فهو يشير إلى استعداد حركة الشباب لتجاوز الحدود السلفية الجهادية الصارمة نحو تعاون براغماتي عندما تقتضي المصلحة الاستراتيجية ذلك.
كيف تشكل هذا الترابط
وفقًا للدراسة، تطورت العلاقة تدريجيًا عبر ثلاث مراحل رئيسية:
1. بدأت الروابط الأولية عبر رجال أعمال صوماليين ويمنيين يعملون في أسواق الوقود والصيد والأسلحة. وقد مكنت هذه الشبكات من نقل سري للبضائع والأموال.
2. ومع تعمق الروابط التجارية، بدأ الطرفان في تبادل معلومات بحرية وأمنية، بما في ذلك معلومات عن أنماط الدوريات البحرية في البحر الأحمر وخليج عدن.
3. وتوسعت الشراكة لتشمل نقل الأسلحة وتبادل التدريبات وتنسيقًا عملياتيًا محدودًا.
ويوثق التقرير شحنات أسلحة من موانئ يمنية، منها الحديدة والمخا ورأس عيسى، إلى السواحل الشمالية والشرقية والجنوبية للصومال. ويُزعم أن الأسلحة شملت بنادق هجومية ورشاشات ثقيلة وقذائف صاروخية وألغامًا أرضية ومكونات لعبوات ناسفة بدائية. وقد تم اعتراض بعض الشحنات، بينما يُعتقد أن أخرى وصلت إلى مناطق خاضعة لسيطرة حركة الشباب دون رصد.
وتفيد التقارير بأن الحوثيين شاركوا خبراتهم في مجال الطائرات المسيّرة والعبوات الناسفة البدائية. وتشير الدراسة إلى عمليات حديثة في الصومال تبدو فيها التكتيكات والتقنيات متأثرة بأساليب ساحات القتال في اليمن، بما في ذلك استخدام طائرات صغيرة دون طيار.
البنية المالية والاقتصادات الموازية
يشكل التعاون المالي ركيزة ثانية لهذا الترابط، فكلا الجماعتين تعملان تحت وطأة عقوبات دولية وتواجهان قيودًا على الوصول إلى الأنظمة المصرفية الرسمية. وتفصل الدراسة استخدام شبكات الحوالة التي تمتد بين بوصاصو وجيبوتي وصنعاء وعُمان، إلى جانب معاملات الذهب وتجارة الفحم والوقود غير المشروعة.
ويُذكر أن الحوثيين استثمروا في مشاريع صومالية، خصوصًا في القطاعات الاستخراجية. وبالتوازي، أنشأت حركة الشباب مكتبًا للموارد المعدنية عام 2024 لتوسيع أنشطة الاستكشاف والاستخراج في جنوب ووسط الصومال. وتشير الدراسة إلى أن بعض الأنشطة التجارية قد تعمل كواجهات لغسل الأموال وتدفقات مالية عابرة للحدود.
كما تمتد المصالح التجارية المشتركة إلى أساطيل الصيد والسفن البحرية القديمة المستخدمة في التهريب. ولا تدر هذه الأنشطة عائدات مالية فحسب، بل تعزز أيضًا الاعتماد الاقتصادي المتبادل بين الطرفين.
التدريب وتبادل التكتيكات
تصف الدراسة تكثيفًا في تبادل التدريب. فقد سافر عناصر من حركة الشباب إلى شمال اليمن، خاصة صعدة وعمران، لتلقي تدريبات على المتفجرات المتقدمة ونشر الطائرات المسيّرة وحرب المدن.
وفي المقابل، يُقال إن عناصر يمنيين تلقوا تدريبات في تكتيكات الحرب غير المتكافئة في الصومال، خصوصًا في مناطق مثل جبال جالجلا. ويشمل هذا التبادل مهارات تتعلق بتصنيع الألغام البحرية وأنظمة الاستخبارات اللامركزية وصيانة الأسلحة.
ورغم عدم وجود دليل قاطع على تنفيذ هجمات مشتركة، تشير المصادر الواردة في الدراسة إلى تنسيق في الاستطلاع البحري وحماية طرق التهريب. كما يُذكر أن تبادل المعلومات شمل أنشطة بحرية وجوية غربية في ممر البحر الأحمر.
الدوافع: البقاء والنفوذ والردع
ترى الدراسة أن دوافع حركة الشباب واضحة:
الحصول على أسلحة متقدمة، بما في ذلك الطائرات المسيّرة وتقنيات المتفجرات.
حماية ممرات التهريب على طول الساحل الصومالي.
تنويع الموارد المالية عبر شبكات غسل أموال عابرة للحدود.
الحصول على دعم استراتيجي غير مباشر عبر قنوات مرتبطة بإيران.
أما بالنسبة للحوثيين، فحساباتهم استراتيجية بالمثل:
تجاوز العقوبات عبر توسيع طرق التجارة غير المشروعة.
توسيع الوعي البحري عبر باب المندب وخليج عدن.
إرسال رسائل ردع إلى خصومهم في الخليج والفاعلين الغربيين.




